الجيل الثاني والثالث والرابع لهم جذور في القلب..

 

 

 

 

 

 

 الدكتور محمد وكريم
أستاذ التعليم العالي جامعة ابن زهر

 

 

هناك سؤال اجتماعي فلسفي بعنوان مختصر: كيف تزرع الأسر المغربية حب الوطن في قلوب أبنائها بالمهجر؟
     لعل مفتاح الحقيبة لم يوجد بعد، ولعل كنوزها لم تُفرَّغ بعد أو تكتشف بعد، ففي كل بيت مغربي بالمهجر، توجد حقيبة لم تُفرَّغ تمامًا. ليست حقيبة سفر بالمعنى المادي، بل حقيبة من الذكريات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، رائحة الخبز في فرن الحي، وصوت المؤذن في فجر مدينة بعيدة، وأغنية كانت الجدة تُدندنها وهي تعجن الكسكس يوم الجمعة. هذه التفاصيل الصغيرة العميقة والمنقوشة في الذاكرة والوجدان هي ما يحملها الآباء والأمهات معهم حين يهاجرون، ثم يقضون سنوات يبحثون عن طريقة لتسليمها لأبنائهم، الذين وُلدوا في أرض أخرى، بلغة أخرى، وبثلج لم يره أجدادهم.

* غربة من أجل غدٍ أفضل:
     لم يهاجر الآباء المغاربة بحثًا عن الراحة، بل عن فرصة. تركوا دفء العائلة الكبيرة، وضحوا بسنوات من القرب من الأهل، من أجل أن يضمنوا لأبنائهم تعليمًا أفضل، وحياة أكثر استقرارًا. كل عملة ادُّخرت، وكل عمل إضافي قُبل دون شكوى، كان استثمارًا في حلم لم يكن لهم وحدهم، بل لأبنائهم أيضًا. وفي هذه التضحية الصامتة، كانت تكمن الرسالة الأعمق: “نحن هنا من أجلكم، لكن لا تنسوا من أين أتينا.”

* الوطن لا يُورَّث، بل يُروى:
     الأسر المغربية في المهجر تدرك أن حب الوطن لا ينتقل بالوراثة، بل يُزرع بالحكاية. لذلك تتحول الزيارات الصيفية إلى المغرب إلى طقوس مقدسة: السفر الطويل، واستقبال الأقارب، وأصوات الأسواق، وطعم الشاي بالنعناع تحت شجرة الزيتون. وبين حكاية وأخرى، يتعلم الطفل أن جذوره ليست مجرد كلمة في جواز السفر، بل هوية حية تسكن قلبه أينما ذهب.
     وحين يكبر هذا الطفل بين ثقافتين، يحمل في داخله مزيجًا فريدًا: انضباط البلد الذي وُلد فيه، وحرارة البلد الذي تربى على حبه. لا يشعر بالتمزق، بل بالغنى. فهو ابن مكانين، ووريث تضحيتين.

* حين يتحول الحنين إلى طاقة قتالية:
     ولعل أجمل ما تُثمره هذه التربية يظهر في أكثر الساحات عاطفية: الملعب الأخضر. حين يرتدي شاب وُلد في أوروبا قميص “أسود الأطلس”، فهو لا يلعب فقط بقدميه، بل يلعب بذاكرة أبيه الذي عمل في مصنع بارد لسنوات، وبدموع أمه التي كانت تحلم بهذه اللحظة. كل ركلة، وكل عَدْوة، وكل دفاع مستميت عن الكرة، هو في جوهره ردّ جميل لتضحيات صامتة لم تُروَ كثيرًا خارج جدران البيت.
     هذا ما يفسر تلك الروح القتالية التي يتحدث عنها الجميع حين يصف لاعبًا مغربيًا وُلد بعيدًا عن الوطن: إنها ليست مجرد موهبة رياضية، بل امتنان يتحول إلى عزيمة. إنه الشاب الذي سمع طوال طفولته جملة “افتخر بأصلك”، فقرر أن يحوّلها إلى فعل أمام أعين العالم.

* العودة منصورًا: حلم الجيلين معًا:
     يحلم كل أب وأم مهاجرين أن يروا أبناءهم يعودون يومًا إلى أرض الوطن، لا هاربين ولا تائهين، بل منصورين وناجحين، رافعين رؤوس آبائهم عاليًا. وحين يرفع لاعب مغربي عَلَم بلاده بعد فوز، أو حين يحقق شاب من المهجر إنجازًا علميًا أو مهنيًا ثم يعود ليُسهم في بناء وطنه، فإن تلك اللحظة ليست انتصارًا فرديًا فحسب، بل تتويج لجيلين: جيل ضحّى في صمت، وجيل حصد الثمرة وأهداها لمن زرعها.

* وطن يُحمَل في القلب أينما حلّ الجسد:
     تربية الأبناء في المهجر على حب الوطن ليست مهمة سهلة، لكنها أجمل هدية يمكن أن تقدمها أسرة لأبنائها: هوية لا تذوب، وذاكرة لا تنطفئ، وحلمٌ يتحول من جيل إلى جيل. فالمغرب، في نهاية المطاف، ليس فقط نقطة على الخريطة، بل قصة تُروى كل مساء، وتضحية تُذكر كل صباح، وفرحة تُنتظر في كل مباراة، وعِناق طويل ينتظر كل عائد… منصورًا.

 


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...