نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف
روما – استقطب إعلان فريق علمي من الولايات المتحدة عن تطوير خلية اصطناعية قادرة على تنفيذ دورة خلوية تشمل التغذية والنمو وتضاعف المادة الوراثية والانقسام، اهتماما واسعا في الأوساط العلمية والإعلامية الدولية، في خطوة يعتبرها باحثون من أبرز محطات علم الأحياء التخليقي خلال السنوات الأخيرة، مع تأكيدهم في الوقت نفسه أن الأمر لا يتعلق بـ”خلق الحياة”، بل ببناء نموذج مخبري يحاكي بعض وظائفها الأساسية.
ويقود المشروع الباحثة الأمريكية كيت أدامالا، أستاذة علم الأحياء التخليقي بجامعة مينيسوتا، حيث نجح فريقها في تجميع خلية أطلق عليها اسم SpudCell انطلاقا من مكونات كيميائية غير حية، ضمن نهج يعرف علميا بـ”البناء من الأسفل إلى الأعلى” (Bottom-up Synthetic Biology)، الذي يهدف إلى إعادة تركيب الأنظمة الحيوية من عناصرها الأولية بدلا من تعديل خلايا موجودة مسبقا.
ووفقا للفريق البحثي، استطاعت الخلية الاصطناعية امتصاص المغذيات، والنمو، ونسخ مادتها الوراثية، ثم الانقسام، وهي وظائف تعد من السمات الجوهرية للخلايا الحية. غير أن الباحثين شددوا على أن النظام ما يزال يعتمد على بيئة مخبرية تحتوي على مكونات حيوية جاهزة، ولا يمتلك القدرة على الاستقلال الذاتي التي تتمتع بها الخلايا الطبيعية.
وقالت أدامالا إن المشروع لا يهدف إلى إثبات أن العلماء “خلقوا الحياة”، بل إلى بناء منصة علمية تساعد على فهم كيفية نشوء الوظائف الحيوية الأساسية، وتطوير تطبيقات جديدة في الطب والصناعة والبيئة.
ويأتي هذا الإعلان في وقت يشهد فيه علم الأحياء التخليقي تسارعا غير مسبوق، بعد عقود من الانتقال من قراءة الجينوم البشري إلى إعادة تصميم الأنظمة البيولوجية وهندستها لأداء وظائف محددة.
وحظي الإنجاز بتغطية إعلامية واسعة من أبرز المنابر العلمية والإخبارية في العالم. فقد اعتبرت Quanta Magazine أن التجربة تمثل أول نجاح في بناء خلية اصطناعية تنمو وتنقسم انطلاقا من مكونات غير حية، بينما وصفت The Guardian المشروع بأنه خطوة مهمة نحو تطوير أنظمة بيولوجية مصممة وفق احتياجات الإنسان، مع التأكيد على أن الخلية لا تزال بعيدة عن تعقيد الكائنات الحية الطبيعية.
وركزت Financial Times على الآفاق الاقتصادية والتكنولوجية للاكتشاف، مشيرة إلى إمكانية توظيف هذه التكنولوجيا مستقبلا في تصنيع الأدوية والوقود الحيوي والمواد الصناعية المستدامة، في حين رأت The Economist أن العالم يقترب تدريجيا من مرحلة لا يقتصر فيها دور العلماء على دراسة الحياة، بل يمتد إلى تصميمها وهندستها.
أما The Times البريطانية، فوصفت التجربة بأنها “أول لمحة عن حياة تبنى ولا تولد”، بينما دعت منصة STAT News إلى التعامل مع النتائج بحذر، موضحة أن الدراسة لا تزال في مرحلة النشر الأولي (Preprint) ولم تستكمل بعد مراجعة الأقران، وهي الخطوة التي تمنح الأبحاث العلمية درجة أعلى من التحقق والاعتماد.
ويرى خبراء أن القيمة العلمية للإنجاز تتجاوز نجاح خلية اصطناعية في النمو والانقسام، إذ يوفر نموذجا عمليا لدراسة الأسس الفيزيائية والكيميائية للحياة، وقد يساعد مستقبلا في تصميم خلايا تؤدي مهام دقيقة، مثل إنتاج علاجات متقدمة، واستهداف الخلايا السرطانية، وتصنيع مركبات دوائية معقدة، وتنظيف البيئات الملوثة، وإنتاج مواد ووقود حيوي منخفض الانبعاثات.
وفي المقابل، يتوقع أن يثير التقدم المتسارع في هذا المجال نقاشات أخلاقية وتشريعية واسعة حول حدود هندسة الأنظمة الحية، وآليات تنظيم استخدامها، والضمانات اللازمة لمنع إساءة توظيفها، في وقت تؤكد فيه المؤسسات البحثية أن هذه التقنيات يجب أن تخضع لأعلى معايير الرقابة والشفافية.
وبين الحماس العلمي والتحفظ المنهجي، يتفق الباحثون على أن ما تحقق يمثل بداية مرحلة جديدة في فهم الحياة وإعادة بنائها. وإذا أثبتت النتائج صحتها بعد المراجعة العلمية المستقلة، فقد ينظر إلى هذا الإنجاز مستقبلا بوصفه إحدى المحطات التي أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والبيولوجيا، وفتحت الباب أمام جيل جديد من “الأنظمة الحية المصممة” التي قد تغير وجه الطب والصناعة والعلوم خلال العقود المقبلة.





