“شطة” يوضح أسباب انتكاسات منتخبات أفريقيا بمونديال 2026

إيطاليا تلغراف متابعة

لم يكن خروج منتخبي السنغال والكونغو الديمقراطية من دور الـ32 لكأس العالم 2026 مجرد وداع عادي، بل أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ الكرة الأفريقية، بعدما سقط المنتخبان في يوم واحد وبالسيناريو ذاته تقريبًا، ليصبح ذلك اليوم بمثابة “يوم الانهيار الأفريقي” في المونديال.

فبعد أن كان منتخب الكونغو الديمقراطية في طريقه لتحقيق إنجاز تاريخي أمام إنجلترا، تقدم مبكرًا قبل أن يستقبل هدفين في اللحظات الحاسمة، ليخسر بنتيجة 2-1 ويودع البطولة بصورة مؤلمة. وبعد ساعات قليلة فقط، عاش منتخب السنغال المشهد ذاته، بعدما فرط في تقدمه أمام بلجيكا وخسر بنتيجة 3-2 في مباراة شهدت تقلبات مثيرة حتى الدقائق الأخيرة.

ولم يكن هذا السيناريو جديدًا على منتخبات القارة، بل جاء امتدادًا لسلسلة طويلة من الإقصاءات القاسية التي حرمت أفريقيا مرارًا من كتابة تاريخ جديد في كأس العالم، بعدما كانت على بعد دقائق أو ثوانٍ من تحقيق إنجازات استثنائية.

شطة يفتح ملف الانهيار المتكرر

وفي محاولة لفهم هذا المشهد المتكرر، قدم المدير الفني الأسبق للاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف”، ولاعب الأهلي المصري الأسبق السوداني عبد المنعم “شطة” لموقع “الجزيرة نت”، قراءة فنية لأسباب هذا الإخفاق المتجدد.

وأكد “شطة” أن ما حدث للسنغال والكونغو الديمقراطية لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل هو امتداد لإشكالية فنية عميقة خضعت للدراسة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، على مدار سنوات طويلة.

وقال “شطه”: “لاحظنا الظاهرة منذ سنوات، وعقدنا لها خصيصًا جلسات نقاشية مع كبار المدربين، كما نظمنا ورش عمل تحت إشراف (فيفا)، إلى جانب مؤتمر النخبة لمدربي المنتخبات الأفريقية، وورش عمل تكتيكية وفنية مخصصة للمديرين الفنيين، إضافة إلى جلسات استماع شاملة، بهدف إعداد تقارير والخروج بتوصيات تساعد على الوقوف على أسباب تلك الظاهرة”.

وأشار إلى أن نتائج تلك الاجتماعات أكدت وجود أسباب متكررة تقف وراء تراجع المنتخبات الأفريقية كلما اقتربت من تحقيق إنجاز تاريخي.

المدرب أول أسباب الأزمة

حمّل شطة المدربين المسؤولية الأكبر عن استمرار الأزمة، مؤكدًا أن المشكلة تبدأ منذ اختيار الأجهزة الفنية.

وقال: “المنتخبات الأفريقية لا تُحسن اتحاداتها اختيار المدربين، ويتم التعاقد مع مدربين أصحاب قدرات متواضعة، بينما الطموحات المرسومة كبيرة للغاية”.

ورأى أن الفجوة بين مستوى المدربين وطموحات المنتخبات تجعل الفرق عاجزة عن إدارة المباريات الكبرى في اللحظات الحاسمة.

وتطرق “شطة” إلى تجربة الفرنسي سيباستيان ديسابر، المدير الفني لمنتخب الكونغو الديمقراطية، معتبرًا أنه مثال واضح على المشكلة.

وقال: “مدرب مثل الفرنسي سيباستيان ديسابر لم يخرج من أفريقيا للتدريب، وقدراته متواضعة مقارنة بالطموحات الكبيرة”.

وأضاف: “سبق وجلست مع ديسابر وتناقشت معه، ولم أجد نفسي أمام مدرب يطمح إلى التطور، فقد ارتضى لنفسه العمل بين الأندية والمنتخبات الأفريقية”.

واعتبر أن مثل هذه النوعية من المدربين تفتقد الخبرات اللازمة لإدارة المباريات الكبرى أمام المنتخبات العالمية.

اللاعبون ليسوا من الصف الأول

ولم يقتصر تحليل شطة على الجانب الفني، بل امتد إلى مستوى اللاعبين أنفسهم.

وقال: “من بين الأسباب أيضًا اللاعبون أنفسهم، فهم ليسوا من كبار النجوم، وأغلبهم ينتمي إلى الصفين الثاني والثالث في أوروبا، رغم اتساع قاعدة المحترفين بشكل كبير، وربما بصورة غير مسبوقة”.

وأوضح أن زيادة أعداد المحترفين لا تعني بالضرورة ارتفاع الجودة، مؤكدًا أن الفارق الحقيقي يكمن في مستوى المنافسات التي يخوضها اللاعبون بصورة أسبوعية.

دراسة خاصة بعد كأس العالم 2002

وأكد شطة أن الاتحاد الأفريقي سبق أن فتح هذا الملف بصورة موسعة عقب كأس العالم 2002.

وقال: “بعد مونديال 2002 في كوريا واليابان، عقدنا اجتماعًا داخل الاتحاد الأفريقي من أجل دراسة حالتي نيجيريا والسنغال، للوقوف على أسباب هذه الظاهرة، بعدما بدأ المنتخب السنغالي البطولة بقوة وحقق الفوز الشهير على حامل اللقب المنتخب الفرنسي، لكنه لم يستمر بنفس المستوى”.

وأوضح أن الدراسة كشفت عن نمط متكرر يتكرر مع معظم منتخبات القارة.

تراجع اللياقة وسوء إدارة المباريات

وواصل “شطة” حديثه لـ”الجزيرة نت” قائلا: “وجدنا أن المنتخبات تتوهج في الأدوار الأولى، بينما تتراجع في الأدوار الإقصائية، كما ينخفض معدل اللياقة البدنية، وكل ذلك يرجع إلى مدرب لا يملك التركيز الكافي، ولم يقدم السيناريو المناسب لإدارة المباراة”.

وأشار إلى أن افتقاد الحلول الفنية أثناء اللقاء يجعل المنتخبات الأفريقية عاجزة عن الحفاظ على تفوقها عندما تزداد الضغوط.

فقدان التركيز في اللحظات الحاسمة

ورأى “شطة” أن ضعف المدربين يظهر بصورة أكبر خلال الدقائق الأخيرة من المباريات.

وقال: “المدربون ضعفاء وليسوا على المستوى المطلوب، ولا يقدمون الأداء المتوازن دفاعيًا وهجوميًا، خاصة في الدقائق الأخيرة، إذ يفقدون تركيزهم خلال ثوانٍ قليلة، ومع وجود لاعبين يفتقدون الانضباط التكتيكي في هذه المواقف الحساسة، نلاحظ الانهيار السريع، وهو ما يفسر أيضًا سهولة وسرعة استقبال الأهداف، كما حدث مع الكونغو الديمقراطية أمام إنجلترا، ثم السنغال أمام بلجيكا، حتى إن أمل الوصول إلى ركلات الترجيح لم يتحقق”.

وأكد أن غياب التنظيم الدفاعي والتعامل الصحيح مع تفاصيل الدقائق الأخيرة يمثل أحد أبرز أسباب الإقصاءات المتكررة.

البدلاء لا يصنعون الفارق

كما أشار “شطة” إلى أن المنتخبات الأفريقية تعاني أيضًا من ضعف جودة البدلاء مقارنة بالمنتخبات الكبرى.

وقال: “كل هذا بسبب خبرات اللاعبين المحدودة، فهم محترفون بالفعل، لكنهم يلعبون في أندية ليست ضمن الصف الأول، وحتى البدلاء الذين يشاركون لا يكونون المنقذين في أغلب الأحيان، لأنهم بعيدون عن الاحتكاك القوي سواء مع أنديتهم أو خلال المباريات الإعدادية مع منتخباتهم، ونادرًا ما يظهر لاعب يغير مجرى المباراة، وإذا حدث ذلك، يفشل الفريق ككل في الحفاظ على ما حققه من مكاسب”.

وأوضح أن المنتخبات الكبرى تمتلك دكة بدلاء قادرة على تغيير مسار المباريات، بينما تفتقد المنتخبات الأفريقية هذه الميزة.

دعوة لتحرك مشترك من “كاف” و”فيفا”

وفي ختام تصريحاته، دعا “شطة” إلى تحرك جاد لمعالجة هذه الظاهرة، مؤكدًا أن الأمر يحتاج إلى تعاون بين “كاف” و”فيفا”.

وقال “شطه”: “للأسف، هذه ظاهرة تحتاج إلى مزيد من المحاضرات والدراسات من جانب (كاف) و(فيفا) معًا، ولا بد أن يشارك الاتحاد الدولي في دراسة الأمر من أجل رفع مستوى اللعبة، فالكرة الأفريقية أصبحت مهمة ومؤثرة في بطولات العالم كما شاهدنا في السنوات الأخيرة، لكن ما نناقشه الآن يمثل حجر عثرة وأزمة حقيقية لا بد من البحث عن حل لها”.

واختتم شطة حديثه بالتأكيد على أن تطوير مستوى المدربين، ورفع جودة إعداد اللاعبين، وتحسين طرق إدارة المباريات، تمثل مفاتيح أساسية لإنهاء مسلسل الانهيارات المتكررة الذي لازم منتخبات القارة الأفريقية في كأس العالم على مدار عقود.

وفيما يلي أبرز النكسات الإفريقية في المونديال

الكاميرون إنجلترا 90

كانت الكاميرون أول منتخب أفريقي يقترب بشدة من بلوغ نصف نهائي كأس العالم، وذلك خلال نسخة إيطاليا 1990.

وفي مواجهة ربع النهائي أمام إنجلترا، تقدم “الأسود غير المروضة” بنتيجة 2-1 حتى الدقيقة 83، وأصبح المنتخب على أعتاب صناعة التاريخ.

لكن نقطة التحول جاءت عندما احتسب الحكم ركلة جزاء لإنجلترا سجل منها جاري لينيكر هدف التعادل، قبل أن يمنح المنتخب الإنجليزي ركلة جزاء ثانية في الوقت الإضافي سجل منها لينيكر هدف الفوز بنتيجة 3-2، لتنتهي واحدة من أكثر المباريات قسوة في تاريخ القارة.

نيجيريا وإيطاليا 94

قبل أكثر من ثلاثة عقود، عاشت نيجيريا واحدة من أقسى لحظات الإقصاء في تاريخها خلال ثمن نهائي كأس العالم 1994 أمام إيطاليا.

دخل المنتخب النيجيري المباراة بمعنويات مرتفعة بعد تصدره مجموعته التي ضمت الأرجنتين وبلغاريا واليونان، بينما تأهلت إيطاليا بصعوبة ضمن أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث.

وتقدمت نيجيريا بهدف سجله إيمانويل أمونيكي، ونجحت في الحفاظ على تقدمها لأكثر من ساعة، بل ازدادت فرصها بعد طرد جيانفرانكو زولا من صفوف المنتخب الإيطالي قبل نهاية المباراة بربع ساعة.

لكن روبرتو باجيو رفض استسلام منتخب بلاده، فسجل هدف التعادل قبل دقيقتين فقط من نهاية الوقت الأصلي، ليفرض اللجوء إلى الوقت الإضافي.

وفي الشوط الإضافي، حصلت إيطاليا على ركلة جزاء سجل منها باجيو هدفه الشخصي الثاني، ليقود منتخب بلاده للفوز 2-1 والتأهل إلى ربع النهائي، قبل أن يواصل الآزوري مشواره حتى المباراة النهائية.

غانا وأوروغواي 2010

إذا كانت هناك مباراة تجسد معاناة الكرة الأفريقية في كأس العالم، فهي مواجهة غانا أمام أوروغواي في ربع نهائي نسخة جنوب أفريقيا 2010.

ففي الثواني الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، كانت الكرة في طريقها إلى الشباك، قبل أن يتعمد لويس سواريز إبعادها بيده، ليطرده الحكم ويحتسب ركلة جزاء لغانا.

لكن أسامواه جيان أهدر الركلة بعدما ارتطمت الكرة بالعارضة، لتذهب المباراة إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت لأوروغواي، بينما ضاعت على غانا فرصة أن تصبح أول منتخب أفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم.

الجزائر وألمانيا 2014

في ثمن نهائي كأس العالم 2014، قدم المنتخب الجزائري واحدة من أعظم مبارياته أمام ألمانيا، بعدما فرض التعادل السلبي طوال الوقت الأصلي بفضل الأداء الدفاعي المميز وتألق الحارس رايس مبولحي.

لكن مع بداية الشوط الإضافي الأول سجل أندريه شورله هدف التقدم لألمانيا، قبل أن يضيف مسعود أوزيل الهدف الثاني في الدقيقة 119.

ورغم نجاح عبد المؤمن جابو في تسجيل هدف تقليص الفارق في الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي، انتهت المباراة بفوز ألمانيا 2-1، ليخرج المنتخب الجزائري بعد أداء نال إشادة العالم.

كوت ديفوار واليونان 2014

كان منتخب كوت ديفوار على بعد دقائق من التأهل إلى الدور الثاني في مونديال البرازيل 2014، بعدما حافظ على التعادل 1-1 أمام اليونان.

لكن في الدقيقة الثالثة من الوقت المحتسب بدلًا من الضائع، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح اليونان سجل منها جيورجوس ساماراس هدف الفوز 2-1، ليودع “الأفيال” البطولة، وتنتهي أحلام الجيل الذهبي بقيادة ديدييه دروجبا.

نيجيريا والأرجنتين 2018

دخل منتخب نيجيريا الجولة الأخيرة من دور المجموعات في مونديال روسيا 2018 وهو يحتاج إلى التعادل فقط أمام الأرجنتين لضمان التأهل إلى الدور الثاني.

وظلت النتيجة تشير إلى التعادل 1-1 حتى الدقيقة 86، قبل أن ينجح المدافع ماركوس روخو في تسجيل هدف الفوز للأرجنتين، لينتهي اللقاء بنتيجة 2-1، وتغادر نيجيريا البطولة بعد واحدة من أكثر النهايات قسوة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...