بقلم الدكتور علي محمد الصلابي
كان الملأ من قوم نوح قد يئسوا من مناهضة الحجة بالحجة، ورفضوا أن يذعنوا للبرهان العقلي، ولما أعياهم ذلك آثروا أن يتركوا الجدال إلى التحدي.
أ- قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ (هود: 32).
إنه العجز بلبس ثوب القدرة، والضعف يرتدي رداء القوة، والخوف من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي، “فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين”، وأنزل بنا العذاب الأليم الذي أنذرتنا به، فلسنا نصدقك ولسنا نبالي وعيدك.
أما نوح فلا يخرجه التكذيب والتحدي عن سمة النبي والكريم، ولا يقعده عن بيان الحق لهم، وإرشادهم إلى الحقيقة التي غفلوا عنها وجهلوها في طلبهم منه أن يأتيهم بما أوعدهم، وردّهم إلى هذه الحقيقة، وهي أنه ليس سوى رسول، وليس عليه إلا البلاغ، أما العذاب فمن أمر الله، وهو الذي يدبر الأمر كلّه، ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله، وسنته هي التي تنفذ، وما يملك هو أن يردّها أو يحولها، إنه رسول وعليه أن يكشف عن الحق حتى اللحظة الأخيرة، فلا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه .
ب- ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ (هود: 33):
“قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بعجزين”:أي: لست أنا الذي آتيكم بما أنذرتكم به، إنما يأتيكم به الله، إن شاء هو، لا إن شئت أنا، ولا إن شئتم أنتم، وأنا ذو وظيفة من الله محدودة، أنا رسول مبلِّغ عن الله، وجواباً عما يجول في نفوسهم من تكذيب وتحدي مشعر بأنه عاجز عن أن يحقق ما توعّدهم به، قال لهم عليه السلام: “وما أنتم بمعجزين”: أي: وما أنتم بقادرين على حماية أنفسكم من عذاب الله إن شاء أن ينزله بكم، فتنفروا منه، وتعجزوا جنوده عن طلبكم وإدراككم بالعقاب، وحين يقضي الله تعالى عليهم بالعذاب، هل يستطيع نوح أن يدفع عنهم عذاب الله، وهل ينفعهم حينئذ نصح نوح لهم بأنه وسيلة من وسائل النصح بعد أن انتهت مدة امتحانهم، وجاء وقت عقابهم.؟ الجواب: لا ينفعهم ذلك، أي نصح، وهذا ما أبانه نوح عليه السلام لهم بقوله:
ج- ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (هود: 34).
أي إن إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم لِردِّكم الحق، فلو حرصتُ غاية مجهودي ونصحت لكم أتمّ النصح –وهو قد فعل عليه السلام- فليس ذلك بنافع لكم شيئاً .
“هو ربكم وإليه ترجعون”: “هو ربكم” أيّ: هو الذي خلقكم ضمن نظام التربية، وهو الممتحن لكم في الحياة الدنيا، وهو الذي رزقكم، وهو الذي أحياكم، وهو يميتكم، وهو الذي يحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم إلى سائر صفات الربوبية، فهو سيدكم ومالككم وإليه جميع أمركم، أما أنا فلست إلا رسولاً مبلِّغاً.
“وإليه ترجعون”:أي: وإلى ربكم ترجعون يوم الدين لمحاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم. هذه أهم المراجعات الجدلية بين نوح وقومه في سورة هود عليه السلام .
د- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ (هود: 35).
“أم يقولون افتراه”: هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح، كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن المعنى: أن قومه يقولون، افترى على الله كذباً، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله، وأن الله أمره أن يقول:”قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ” أي: كلٌّ عليه وزره “وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.
ويحتمل أن يكون عائداً إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتكون هذه الآية معترضة، في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان التام فقال: “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ” أيّ: هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله.
فإذا زعموا – مع هذا – أنه افتراه، علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال، الإعراض عنهم، ولهذا قال: “قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي” أيّ: ذنبي وكذبي، “وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ” أي: فلم تستلجُّون في تكذيبي.
وهذا في أصول البلاغة اسمه الالتفات، فبينما في نشوة قصة سيدنا نوح، إذ يلتفت الله سبحانه وتعالى إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتسليته والتخفيف عنه، حينما شعر بالضيق من جراء تكذيب قومه له ، لكي يخفف عنه، ويثبت عزيمته، ويذكره بأن هؤلاء الذي يتهمونه بالكذب إنما هم مجرمون في حقه، وأنه بريء من هذه الجريمة.
وعند هذا المقطع من قصة نوح، يلتفت السياق لفتة عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة، التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسولصلى الله عليه وسلم ودعواهم أن محمداً يفتري هذا القصص، فيرد هذا القول قبل أن يمضي في استكمال قصة نوح: أم يقولون افتراه”؟ قل: إن افتريته فعلي إجرامي، “وأنا بريء مما تجرمون”. وهذا الاعتراض لا يخالف سياق القصة في القرآن، لأنها إنما جاءت لتأدية غرض من هذا السياق. ويتبين لنا من الآية السابقة أمور من أهمها:
– الإنصاف بين الداعي والمدعوين مدعاة لتخفيف غلواء المدعوين في الصد عن الدعوة.
– الرسل الكرام رمز الحكمة في الدعوة والحجة والإقناع.
– بساطة المنطق مع عمقه وصدقه مؤثران في المدعوين، وسبب في كسب القضية.
– تنظيم تفكير المدعوين يساعدنا في تحديد موقفهم، بل كسبهم إن أحسنا ذلك.
– مهم جداً إيقاظ عقول من ندعوهم ليفهموا عنا ويستجيبوا لنا.
– إهمال العقل وتعطله خسارة للداعي والمدعو والدعوة.
مراجع البحث:
علي محمد الصلابي، نوح عليه السلام والطوفان العظيم (ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية)، دار ابن كثير، ص177-181
محمد راتب النابلسي، تفسير النابلسي (تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة)، مؤسسة الفرسان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2016م، 6/51.
سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة والنشر، القاهرة، ط 38، 1430ه ، 2009م ،4/1876.





