عاصفة التحكيم تضرب كأس العالم.. مصر تشتكي من “أخطاء الفار” ضد الأرجنتين ومباراة المغرب وفرنسا تتحول إلى اختبار حقيقي لحياد الفيفا
لم يعد الجدل التحكيمي في كأس العالم 2026 مجرد اعتراض عابر من منتخب خسر مباراة إقصائية، بل تحول، بعد مواجهة مصر والأرجنتين، إلى نقاش دولي واسع حول طريقة استعمال تقنية الفيديو، وحدود تدخلها، ومدى توحيد المعايير بين المنتخبات الكبرى وباقي المنتخبات، حيث ربطت صحف ومنصات دولية بين ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين، وبين سوابق أخرى عرفتها البطولة، ما جعل صورة “الفار” نفسها تدخل قفص الاتهام.
وذكرت وكالة “رويترز” أن الاتحاد المصري لكرة القدم انتقد بشدة القرارات التحكيمية في خسارة مصر أمام الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بعدما كان المنتخب المصري متقدما بهدفين لصفر قبل آخر 11 دقيقة من اللقاء.
وتركز الغضب المصري على هدف مصطفى زيكو الملغى في الدقيقة 62 بعد تدخل تقنية الفيديو بداعي وجود مخالفة في بناء الهجمة، ثم على عدم احتساب ركلة جزاء في لقطة سقوط حمدي فتحي، قبل أن تنتقل الكرة إلى الجهة الأخرى وتسجل الأرجنتين هدف الفوز في الدقيقة 92.
كما أشار التقرير إلى أن الاتحاد المصري تحدث عن “أسئلة عميقة” حول العدالة والاتساق في القرارات، وأنه تقدم بشكوى ضد الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه وطاقمه.
ولم تقف الانتقادات عند الإعلام المصري أو العربي، فقد نقلت “رويترز” مواقف عدد من المحللين والنجوم السابقين في القنوات الدولية، بينهم روب غرين وآلان شيرر وإيان رايت وجيمي كاراغر، الذين تساءلوا عن سبب تدخل “الفار” لإلغاء هدف مصر، مقابل عدم العودة إلى التقنية في لقطة صلاح أو حمدي فتحي.
وكان جوهر الاعتراض واضحا، إن كان تدخل الفيديو ممكنا لإعادة اللعبة إلى الوراء وإلغاء هدف، فلماذا لم يتم استعمال المنطق نفسه في اللقطة التي سبقت هدف الأرجنتين الثالث؟
صحيفة “ذا صن” البريطانية، من جهتها، نقلت عن الحكم الإنجليزي السابق مارك هالسي قوله إن الأرجنتين استفادت من قرارين كبيرين، معتبرا أن تدخل “الفار” لإلغاء هدف زيكو لم يكن ضروريا، وأن عدم التدخل في لقطة صلاح أبرز مشكلة التناقض في استعمال التقنية، أما “نيويورك بوست” فقد وصفت مصر بأنها “آخر ضحية للفار”، مشيرة إلى أن هدفا ألغي بسبب مخالفة سابقة بعيدة عن المرمى، بينما لم تتم مراجعة لقطة مؤثرة قبل هدف الفوز الأرجنتيني.
الأخطر أن هذه الواقعة أعادت إلى السطح سؤال المعايير المزدوجة في التعامل مع المنتخبات الكبرى والنجوم. ففي مباراة الجزائر والأرجنتين، سبق للاتحاد الجزائري أن اشتكى للفيفا من التحكيم بعد خسارته بثلاثية، مع التركيز على لقطة دهس ليونيل ميسي لساق عيسى ماندي، ولقطة أخرى تخص أليكسيس ماك أليستر.
وأوردت “رويترز” أن الجماهير الجزائرية طالبت بطرد ميسي، بينما أثارت اللقطة جدلا واسعا حول ما إذا كانت مكانة النجم الأرجنتيني لعبت دورا في غياب العقوبة.
وزادت قضية الأمريكي فولارين بالوغون من تعقيد المشهد، حيث كتبت “الجزيرة” أن قرار الفيفا تعليق عقوبة الطرد، بعد اتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجياني إنفانتينو، فجر موجة انتقادات واسعة، وفتح اتهامات بأن الجهاز الكروي العالمي ليّن قواعده تحت ضغط سياسي.
ورغم تأكيد الفيفا أن القرار صدر عبر هيئات مستقلة، فإن مجرد حصول الاتصال السياسي، ثم رفع العقوبة، منح خصوم الفيفا مادة قوية للحديث عن تداخل المصالح السياسية والتجارية مع قرارات يفترض أن تبقى رياضية خالصة.
ولم تكن مرحلة خروج المغلوب وحدها مسرحا لهذا الجدل، فقد خصصت “الجزيرة” تقريرا لأكثر قرارات “الفار” إثارة في دور المجموعات، من هدف إيران الملغى في الوقت بدل الضائع أمام مصر، إلى حرمان غانا من ركلة جزاء أمام إنجلترا، في مؤشرات تعكس أن الأزمة أعمق من مباراة واحدة، وأن التقنية التي جاءت لحماية العدالة أصبحت، في نظر كثيرين، أداة قابلة للتأويل حسب السياق والمنتخب واللحظة.
وسط هذا المناخ، تدخل مباراة المغرب وفرنسا غدا في سياق حساس للغاية، فالمواجهة تعيد إلى الأذهان نصف نهائي 2022 بقطر، حين اشتكى المغرب من عدم احتساب ركلتي جزاء محتملتين، أبرزها لقطة سفيان بوفال مع تيو هيرنانديز، حيث عوقب اللاعب المغربي ببطاقة صفراء بدل مراجعة اللقطة عبر “الفار”.
كما عاد الجدل بقوة بعد تقارير عن تعيين طاقم تحكيمي أرجنتيني كامل لمباراة فرنسا والمغرب، وهو قرار لا يشكل دليلا على الانحياز، لكنه زاد من حساسية النقاش في ظل تراكم الشكوك حول قرارات تخدم المنتخبات الكبرى.
الخلاصة أن الفيفا لم تعد مطالبة فقط بإدارة المباريات، بل بإقناع الجمهور بأن العدالة التحكيمية لا تخضع لقيمة المنتخب التجارية، ولا لشهرة النجوم، ولا لضغط السياسة.
وإذا كانت كرة القدم تقوم على الخطأ البشري أحيانا، فإن وجود “الفار” يفترض أن يقلص ذلك الخطأ لا أن يمنحه غطاء تقنيا جديدا، وفق العديد من المحللين الرياضيين، ومباراة المغرب وفرنسا ستكون، بهذا المعنى، أكثر من ربع نهائي، ستكون اختبارا علنيا لمدى حياد الفيفا وقدرتها على إنقاذ صورة بطولة باتت تعيش تحت ضغط الشك والاتهام.
المصدر: الصحيفة





