عملية أمنية كبيرة تكشف المسار الجديد لعمليات الهجرة غير النظامية.. مافيات الاتجار بالبشر تحول سبتة إلى “نقطة عبور” نحو إسبانيا
أعادت العملية الأمنية التي نفذتها عناصر الحرس المدني الإسباني بمدينة سبتة، أمس الثلاثاء، وأسفرت عن تفكيك شبكة متخصصة في تهريب المهاجرين وتوقيف 6 من أفرادها، تسليط الضوء على التحولات التي تشهدها شبكات الاتجار بالبشر في المنطقة، والتي باتت تعتمد أساليب أكثر تنظيما ومرونة لمواصلة أنشطتها، في ظل تشديد الرقابة على مسارات الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الشبكة المفككة كانت تنشط في إدخال مهاجرين بطريقة غير نظامية عبر البحر من السواحل المغربية إلى مدينة سبتة، قبل العمل على نقلهم لاحقا نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو أسلوب يعكس تغيرا في طبيعة عمل هذه التنظيمات، التي أصبحت تتعامل مع سبتة باعتبارها محطة انتقالية رئيسية ضمن مسارات الهجرة السرية.
ووفق ما أوردته وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية “إفي”، فإن العملية نُفذت خلال الساعات الأولى من صباح امس الثلاثاء في منطقة “باساخي ريكريو” وحي “إلبرينسيبي”، وذلك عقب جمع معلومات حول شبكة كانت تتولى إدخال أشخاص من المغرب تمهيدا لنقلهم لاحقا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
وشارك في العملية عناصر من وحدة أمن المواطنين التابعة للحرس المدني في سبتة (USECIC)، إلى جانب عناصر من مجموعة الاحتياط والأمن (GRS) التابعة للجهاز نفسه، والتي انتقلت من شبه الجزيرة الإيبيرية للمشاركة في التدخل، حيث تم توقيف 6 أشخاص، جميعهم من سكان سبتة، للاشتباه في انتمائهم إلى هذه الشبكة، وذلك عقب مداهمة وتفتيش عدد من المنازل في المنطقتين.
ونفذت عناصر الحرس المدني عملية أمنية خاصة، شملت إغلاق عدد من الطرق أمام حركة السير، بهدف تأمين تنفيذ هذه العملية التي تندرج في إطار مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
ويعكس تكرار مثل هذه العمليات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة تنامي نشاط مافيات الاتجار بالبشر داخل سبتة، بعدما تحولت المدينة تدريجيا إلى مركز لوجستي تستقر فيه الشبكات الإجرامية التي تدير عمليات نقل المهاجرين، مستفيدة من خصوصية موقعها الجغرافي باعتبارها مدينة إسبانية تقع على التراب الإفريقي، وما يوفره ذلك من إمكانيات لإعادة تنظيم عمليات التهريب نحو البر الإسباني.
ولا يقتصر نشاط هذه الشبكات على المهاجرين المغاربة، بل يشمل كذلك مرشحين للهجرة ينحدرون من عدد من دول المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى مهاجرين قادمين من بعض بلدان شرق أوسط غارقة في النزاعات المسلحة، وهو ما يمنح هذه التنظيمات قاعدة بشرية واسعة تستغلها لتوسيع أنشطتها، مقابل مبالغ مالية.
ويفسر جمعويون تحدثوا إلى “الصحيفة” هذا التحول بكون سبتة أصبحت تمثل حلقة وصل بين الضفة الجنوبية للمتوسط وشبه الجزيرة الإيبيرية، بعدما فقدت بعض الممرات التقليدية التي كانت تعتمدها شبكات التهريب جزءا كبيرا من فعاليتها، نتيجة تشديد المراقبة الأمنية على السواحل المغربية ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة المكلفة بمراقبة الحدود.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السلطات المغربية عملياتها الاستباقية لمكافحة شبكات تهريب البشر، سواء عبر تعزيز المراقبة البحرية أو تكثيف الدوريات الأمنية على امتداد السواحل الشمالية، فضلا عن إحباط محاولات الإبحار السري وتفكيك خلايا إجرامية قبل تنفيذ مخططاتها، وهو ما دفع العديد من هذه الشبكات إلى مراجعة أساليب اشتغالها والبحث عن مسارات بديلة أقل عرضة للرصد.
وفي هذا السياق، برزت سبتة كأحد أبرز الخيارات التي تلجأ إليها هذه المافيات، حيث يتم تهريب المهاجرين إليها في مرحلة أولى، قبل إيوائهم داخل منازل آمنة أو شقق تستغلها الشبكات، ثم التخطيط لنقلهم في مرحلة ثانية نحو مدن جنوب إسبانيا في عمليات تهدف إلى تمويه المراقبة الأمنية.
وتؤكد الطريقة التي نفذت بها العملية الأمنية الأخيرة أن السلطات الإسبانية أصبحت بدورها تنظر إلى هذه الشبكات باعتبارها تنظيما إجراميا منظما، وليس مجرد مجموعات محلية تنشط في تسهيل الهجرة غير النظامية، خاصة مع ارتباطها بجرائم الاتجار بالبشر والتهريب العابر للحدود.
وتبرز العملية الأمنية الأخيرة، في المقابل، أن مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا لم تعد ثابتة، بل تشهد تحولات مستمرة تفرضها الإجراءات الأمنية على ضفتي المتوسط، حيث تسعى مافيات الاتجار بالبشر باستمرار إلى إعادة التموضع وتكييف أنشطتها مع الواقع الميداني، وهو ما جعل مدينة سبتة تحتل موقعا متقدما في خارطة هذه الشبكات، باعتبارها نقطة عبور ومحطة وسيطة بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.
المصدر: الصحيفة





