من حلم صناعة عملاق كروي في إسبانيا إلى ملاحقة دولية قد تنتهي بسجنه 14 عاما.. قصة سقوط الشيخ القطري عبد الله آل ثاني مع نادي ملقا في موسم عودته إلى الأضواء

إيطاليا تلغراف متابعة

لم يكن اسم الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني معروفا على نطاق واسع خارج منطقة الخليج قبل أن يطرق أبواب كرة القدم الإسبانية سنة 2010، حين أعلن استحواذه على نادي ملقا، في خطوة حملت معها وعودا بتحويل الفريق الأندلسي إلى قوة كروية قادرة على منافسة كبار أندية “الليغا” وأوروبا، غير أن المشروع الذي بدأ بأحلام كبيرة انتهى اليوم إلى مسار قضائي معقد، بعدما أصبح الشيخ القطري وثلاثة من أبنائه موضوع أوامر بحث وتوقيف أوروبية ودولية على خلفية اتهامات مرتبطة بطريقة تدبير النادي.

فقد أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة رقم 14 بمدينة ملقا، أوامر توقيف وتسليم أوروبية ودولية في حق عبد الله آل ثاني وأبنائه ناصر ونايف وركان، وذلك بعد تعذر تحديد مكان وجودهم وعدم تمكن السلطات القضائية الإسبانية من الوصول إليهم، ويأتي ذلك بعد أن طلبت محكمة ملقا الإقليمية من قاضي التحقيق اتخاذ هذا الإجراء، عقب اجتماع عُقد في 19 يونيو الماضي بطلب من النيابة العامة والجهات المدعية الخاصة في الملف، بسبب عدم العثور على المتهمين.

وتعود القضية إلى اتهامات وجهت إلى أفراد عائلة آل ثاني تتعلق بجرائم من بينها الاختلاس، وسوء الإدارة، وفرض اتفاقات وقرارات اعتبرت تعسفية داخل النادي الأندلسي، وترى الجهات القضائية الإسبانية أن هناك مؤشرات كافية على وقوع مخالفات قد تكون ألحقت أضرارا مالية وإدارية بالنادي، الذي عاش خلال السنوات الأخيرة واحدة من أصعب فتراته منذ تأسيسه.

وكانت المحكمة الإقليمية في ملقا قد تدخلت، في أبريل 2026، بعدما ألغت قرارا سابقا لمحكمة التحقيق كان يرفض إصدار أوامر البحث والاعتقال، وذلك عقب قبول الطعن الذي تقدمت به النيابة العامة، وطالبت النيابة العامة في هذا الملف بعقوبات ثقيلة تصل إلى 14 سنة ونصف السنة من السجن، إضافة إلى 18 سنة من المنع من إدارة الشركات، معتبرة أن طبيعة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين تستوجب متابعة قضائية مشددة.

ويشارك في الملف عدد من الأطراف المدنية، من بينها شركة “بلو باي” وجمعية صغار المساهمين في نادي ملقا، التي كانت من أوائل الجهات التي حركت الملف القضائي، وتعود بداية القضية إلى دجنبر 2019، حين تقدمت الجمعية بشكاية تتهم فيها إدارة آل ثاني بوجود اختلالات مرتبطة بتدبير النادي واستنزاف موارده المالية، في وقت كان فيه الفريق يعيش أزمة رياضية ومالية عميقة.

واستندت قاضية التحقيق، ماريا دي لوس أنخليس رويز غونزاليس، إلى وجود خطر فرار المتهمين لتبرير إصدار أوامر البحث والتوقيف، وأكدت المحكمة أن طبيعة الجرائم المفترضة والعقوبات المحتملة في حال الإدانة، إلى جانب عدم تعاون المتابعين مع الإجراءات القضائية، تشكل عناصر تدعم اللجوء إلى البحث الدولي.

وأشارت المحكمة إلى أن عبد الله آل ثاني وأبناءه لم يعينوا أي ممثل قانوني للدفاع عنهم أمام القضاء الإسباني، ولم يردوا على المراسلات التي وجهت إليهم عبر عناوين البريد الإلكتروني المسجلة، وأوضحت المعطيات القضائية أن السلطات حاولت تحديد أماكن وجودهم، إذ قادت التحقيقات في البداية إلى العاصمة القطرية الدوحة، قبل أن تشير المعطيات الأمنية لاحقا إلى وجودهم في إيطاليا وألمانيا، غير أنهم غادروا تلك الأماكن بعد علمهم بملاحقة السلطات الإسبانية لهم، ليظل مكان وجودهم الحالي مجهولا.

ووراء هذا الملف القضائي، توجد قصة رجل ينتمي إلى واحدة من أكثر العائلات نفوذا في الخليج، فالشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني ينحدر من أسرة آل ثاني، العائلة الحاكمة في دولة قطر منذ القرن التاسع عشر، والتي ينتمي إليها أمير البلاد تميم بن حمد آل ثاني، وعدد من كبار المسؤولين والشخصيات النافذة في الدولة.

غير أن حضور عبد الله آل ثاني برز أساسا في المجال الاقتصادي والرياضي، وليس من خلال موقع سياسي رسمي، حيث اختار الاستثمار في كرة القدم الأوروبية بوابة لتعزيز حضوره، وسبق بذلك الاستثمارات القطرية في نادي باريس سان جيرمان الفرنسي عبر مؤسسة قطر للاستثمارات الرياضية، والذي يرأسه حاليا ناصر الخليفي، الصديق المقرب لأمير البلاد.

وعندما أعلن عبد الله آل ثاني سنة 2010 عن شراء نادي ملقا، كان المشروع القطري ينظر إليه باعتباره بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفريق، فقد أصبح أول مستثمر من منطقة الشرق الأوسط يتولى ملكية ناد في الدوري الإسباني، وبدأ بضخ أموالا مهمة في سوق الانتقالات، بهدف بناء فريق قادر على مزاحمة القوى التقليدية في الكرة الإسبانية.

وخلال السنوات الأولى، عاش النادي الأندلسي فترة ذهبية غير مسبوقة، فقد تعاقد مع مجموعة من النجوم المعروفين، واستقطب المدرب التشيلي مانويل بيليغريني، الذي نجح في بناء فريق تنافسي ضم أسماء بارزة، من بينها الهولندي رود فان نيستلروي والإسباني سانتي كازورلا والبرازيلي خوليو باتيستا والأجنتينيين خافيير سافيولا ومارتن ديميكيليس، إضافة إلى لاعبين آخرين ساهموا في رفع مستوى الفريق.

وكان موسم 2011-2012 بداية التحول الحقيقي، بعدما أنهى ملقا الدوري الإسباني في مركز متقدم، قبل أن يحقق أفضل إنجاز في تاريخه بالتأهل إلى دوري أبطال أوروبا موسم 2012-2013، وهناك، فاجأ الفريق القارة الأوروبية بعدما بلغ الدور ربع النهائي من المسابقة، في مشاركة تاريخية جعلته حديث المتابعين، قبل أن يخرج أمام بوروسيا دورتموند الألماني في مباراة درامية شهدت انقلاب النتيجة في الدقائق الأخيرة.

غير أن الحلم لم يستمر طويلا، فبعد فترة الازدهار الرياضي، بدأت تظهر مؤشرات الأزمة، إذ تراجع الدعم المالي، واضطر النادي إلى بيع عدد من أبرز نجومه، لتبدأ مرحلة من عدم الاستقرار انعكست على النتائج الرياضية والوضع الإداري، وانتهى الأمر بهبوط الفريق إلى الدرجة الثانية سنة 2018، بعد سنوات قليلة فقط من وصوله إلى ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، وهي الفترة السوداء التي استمرت إلى غاية موسم 2025 – 2026، الذي انتهى بعودته إلى قسم الأضواء.

ومع تفاقم المشاكل داخل النادي، انتقلت الأزمة من المجال الرياضي إلى القضاء، فقد أصبح اسم آل ثاني مرتبطا بنزاع طويل حول طريقة إدارة النادي، وسط اتهامات من مساهمين وجماهير بوجود اختلالات أضرت بمستقبل المؤسسة الرياضية، وفي سنة 2020، تم إبعاد الشيخ القطري عن إدارة النادي بشكل مؤقت، ووضع ملقا تحت إشراف قضائي في محاولة لإنقاذ الفريق من حالة الجمود التي عاشها.

وتشكل قضية عبد الله آل ثاني واحدة من أبرز الأمثلة على التحولات التي يمكن أن تعرفها مشاريع الاستثمار الرياضي الكبرى، فالرجل الذي دخل كرة القدم الإسبانية باعتباره مستثمرا يحمل طموح تحويل ناد متوسط إلى قوة أوروبية، يجد نفسه بعد أكثر من عقد أمام ملاحقة دولية بسبب الملف نفسه الذي صنع جزءا كبيرا من شهرته، وبين ليلة التألق الأوروبي في دوري الأبطال وسنوات الأزمة القضائية، تختصر قصة ملقا مع آل ثاني مسارا متقلبا بين الطموح الرياضي والاقتصادي الكبير وفِخاخ الإدارة والاستدامة في عالم كرة القدم الحديثة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...