كرة القدم كهبةٍ إنسانيّة عابرة: من الفرجة الجماعيّة إلى سؤال الانتماء الحضاري

 

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

ليست كرة القدم حدثًا رياضيًا فحسب، ولا مجرد صناعة للترفيه الجماهيري، وإنما أصبحت، بحكم انتشارها الكوني، أحد أكثر الفضاءات قدرةً على الكشف عن أنماط تشكّل الوعي الجمعي، وكيفية اشتغال الانتماءات داخل المجال العمومي.

فهي لا تُنتج الهويات بقدر ما تكشف آليات حضورها، ولا تصنع الصراعات بقدر ما تُظهر الكيفية التي تُعاد بها صياغة تلك الصراعات داخل المخيال الاجتماعي.

ومن هنا يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بالرياضة في ذاتها، وإنما بالحمولة الرمزية التي تُسقط عليها. فكلما اتسعت مساحة اللقاء الإنساني، سعت بعض الخطابات إلى تحويلها إلى مناسبة لإحياء ذاكرة الصراع، حتى تغدو مباراة في كرة القدم امتدادًا رمزيًا لمعركة تاريخية، أو تعويضًا نفسيًا عن هزيمة قديمة، أو إعلانًا متجددًا لانتصار هووي متخيَّل.

وهكذا يُعاد تأويل الفرجة الرياضية وفق منطق لا ينتمي إلى طبيعتها، وإنما إلى البنية الأيديولوجية التي تحتضنها.

إن هذا التحويل المستمر للرياضة إلى حقل للصراع يكشف خللًا في العلاقة مع التاريخ أكثر مما يكشف حقيقة التاريخ نفسه.

فالتاريخ، بوصفه موضوعًا للمعرفة، يهدف إلى تفسير الوقائع ضمن سياقاتها المركبة، بينما يتحول، في الخطاب التعبوي، إلى مستودع للثنائيات المغلقة؛ حيث يُختزل الماضي في سرديات الانتصار والهزيمة، ويُعاد استدعاؤه خارج شروطه الزمنية لإضفاء الشرعية على خصومات الحاضر. وعندما يحدث ذلك، لا يعود التاريخ أداةً للفهم، بل يصبح تقنيةً لإنتاج الانفعال الجماعي.

ولعل المفارقة تكمن في أن الوقائع الاجتماعية كثيرًا ما تُكذّب هذه السرديات. فالتجارب التي تتيحها التظاهرات الرياضية الكبرى تكشف أن العلاقات اليومية بين الجماهير تُبنى، في معظم الأحيان، على التعاون والتواصل والاحتفاء المتبادل، أكثر مما تُبنى على الخصومة.

فالإنسان، في ممارسته الاعتيادية، أكثر استعدادًا للتعارف مما توحي به الخطابات الشعبوية، وأكثر ميلًا إلى بناء الثقة مما تفترضه الأيديولوجيات المغلقة.

وليس المقصود بذلك إنكار ما قد تعرفه الملاعب من عنف أو تعصب، فهذه ظواهر واقعية لا يجوز تجاهلها، غير أنها تظل استثناءات اجتماعية لا تصلح أساسًا لتفسير التجربة الإنسانية في كليتها.

أما القاعدة فهي أن المجال الرياضي يظل، رغم كل شيء، أحد أكثر الفضاءات قدرةً على جمع المختلفين حول تجربة مشتركة لا تُلغي اختلافاتهم، وإنما تُعلّق آثارها مؤقتًا.

وهنا تبرز إحدى الإشكاليات المركزية في الفكر السياسي المعاصر، وهي الخلط بين منطق الهوية ومنطق الدولة. فالأفراد يميلون إلى إدراك العالم من خلال منظوماتهم القيمية والانفعالية، بينما تتحرك الدول ضمن شبكات معقدة من المصالح والتوازنات والقيود المؤسسية.

لذلك فإن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الحب والكراهية، ولا بمنطق الوفاء والخذلان، وإنما بمنطق عقلانية سياسية تجعل المصلحة، والأمن، والاستقرار، عناصر لا يمكن تجاوزها، دون أن تنفي حضور الاعتبارات القيمية والثقافية في بعض السياقات.

ومن هنا يبدو أن أكثر أشكال الأيديولوجيا خطورة ليست تلك التي تُنتجها النخب الفكرية في مستوياتها النظرية، وإنما تلك التي تُختزل في خطاب شعبوي يُبسّط العالم إلى ثنائيات حادة، ويُحوّل التعقيد إلى يقين، والاختلاف إلى تهديد، والتعدد إلى مبرر دائم للاصطفاف.

فكلما ضعفت أدوات التفكير النقدي، ازدادت قابلية المجال العمومي لاستقبال السرديات الاختزالية التي تستثمر في الخوف أكثر مما تستثمر في الفهم.

ولذلك فإن الرهان الحضاري لا يتمثل في إلغاء الانتماءات، لأن الإنسان كائن انتمائي بطبيعته، وإنما في إعادة هندسة العلاقة بينها. فالوطنية، والانتماء الثقافي، والانتماء الديني، جميعها مستويات مشروعة من الهوية، لكنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية عندما تتحول إلى أدوات للإقصاء أو إلى مصادر لإنتاج العداء.

أما الانتماء الحضاري، بالمعنى الذي نقصده هنا، فهو أفق قيمي تتكامل داخله هذه الدوائر جميعًا، ويُعاد ترتيبها وفق مركزية كرامة الإنسان، والاعتراف المتبادل، والتعارف بوصفه مبدأً مؤسسًا للعمران البشري.

وفي هذا الأفق، يلتقي التصور القرآني مع كثير من المنجزات المعاصرة في الفلسفة السياسية والأنثروبولوجيا؛ إذ لا يُقدَّم الاختلاف بوصفه خللًا ينبغي تجاوزه، وإنما بوصفه شرطًا من شروط الاجتماع الإنساني، وسنةً من سنن العمران، وفضاءً لإنتاج المعرفة المتبادلة، لا لتبرير الصراع الدائم.

إن كرة القدم، في نهاية المطاف، ليست سوى مناسبة عابرة، لكن ما تكشفه ليس عابرًا. فهي تُظهر أن الود الإنساني يسبق الأيديولوجيا، وأن التعارف أعمق من التصنيف، وأن المجال العمومي يستطيع أن يكون فضاءً للتشارك بقدر ما يمكن أن يتحول إلى ساحة للاستقطاب، بحسب طبيعة الخطابات التي تؤطره.

ولعل المهمة الفكرية الأكثر إلحاحًا اليوم لا تتمثل في الدفاع عن الرياضة، وإنما في تحرير الوعي من الميل الدائم إلى تحويل كل مناسبة إنسانية إلى معركة هوية.

فالمجتمعات لا تبني مستقبلها بتوسيع خرائط الخصومة، وإنما بإنتاج أشكال جديدة من بناء جسور الثقة، تجعل الاختلاف مصدرًا للإثراء المتبادل، لا ذريعةً لاستدامة الصراع.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...