د.خالد الجابر
أكاديمي قطري، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة.
على امتداد التاريخ، أثبتت التجارب السياسية أن الأنظمة الشمولية، مهما بلغت قوتها الأمنية والعسكرية والإيديولوجية، تحمل في داخلها بذور انهيارها. لا تنهار لأنها تواجه خصوماً أقوياء فحسب، بل لأنها تدخل في صراع مستمر مع طبيعة المجتمع والإنسان نفسه، فكل سلطة تسعى إلى احتكار الحقيقة، وإخضاع الجموع لإرادة واحدة، وإلغاء التعدّد والاختلاف، تجد نفسها، في نهاية المطاف، أمام معضلة مستعصية: كيف يمكن إخضاع مجتمع حي ومتغير لقالب جامد لا يتغير؟
لا تعاني الشعوب وحدها من التعاطي مع الأنظمة الاستبدادية، بل يعاني العالم بأسره منها، فالدولة ومؤسّساتها لا تكتفي بإعادة تشكيل مجتمعها وفق رؤية أيديولوجية مغلقة، بل تميل بطبيعتها إلى تصدير أزماتها إلى الخارج. فهي لا ترى نفسها جزءاً من النظام الدولي، بل مشروعاً يسعى إلى إعادة تعريفه وفق تصوّراتها الخاصة. ولهذا لم تكن عبر التاريخ مشكلة داخلية تخص شعوبها فحسب، بل تحوّلت مراراً إلى مصدر لعدم الاستقرار الإقليمي والدولي. لذلك تُعَدّ الأيديولوجيا الشمولية أكثر من مجرّد أفكار سياسية؛ إنها نظام مغلق لتفسير العالم. لكل أزمة تفسير جاهز، ولكل فشل عدو جاهز، وكل اعتراض هو مؤامرة، وكل مطالب بالإصلاح تهديد لوجود الدولة نفسها. ومع الوقت، لا تعود السلطة قادرة على التمييز بين النقد والعداء، ولا بين المعارضة والخيانة، لأن بقاءها يصبح مرتبطاً ببقاء الرواية التي صنعتها عن نفسها.
رأى هيغل أن التاريخ مسيرة الوعي بالحرية. وقد يختلف المفكرون حول هذا التوصيف، لكن القرن العشرين قدّم شواهد كثيرة على أن المجتمعات قد تخضع لرؤية أحادية في زمن تاريخي معيّن، لكنها لا تتوقف عن التغير، فالأجيال تتبدل، والقيم تتبدل، والعالم يتبدّل. أما السلطة التي تبني شرعيتها على الثبات المطلق، فتجد نفسها في مواجهة حركة التاريخ نفسها.
شرعية الدولة الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، بل على قدرتها على إنتاج توافق عقلاني داخل المجال العام
كذلك وصف يورغن هابرماس هذه الإشكالية من زاوية مختلفة، فشرعية الدولة الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، بل على قدرتها على إنتاج توافق عقلاني داخل المجال العام. وعندما تغلق السلطة هذا المجال، وتحتكر الحوار وتقصي الأصوات المختلفة، فإنها لا تقضي على المعارضة، بل تقضي على مصدر شرعيتها نفسه، فالدولة لا تستمدّ مشروعيتها من قدرتها على إسكات المجتمع، بل من قدرتها على التحاور معه.
تمثل بعض النظم الاستبدادية في العالم الثالث، ومنها عربية وآسيوية وأفريقية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، نموذجاً معقداً للسلطة الشمولية ذات الطابع العقائدي، حيث تتداخل المؤسّسات الدينية مع أجهزة الدولة والأمن، في منظومة تسعى إلى مراقبة المجتمع وضبط المجال العام وتوجيه الوعي الجمعي وفق سردية رسمية واحدة. ليس السؤال الحقيقي في التجربة الإيرانية بالتحديد اليوم وهو يدخل في صدام مع القوى الكبرى هو ما إذا كان النظام سيبقى أو يسقط، بل ما إذا كانت أي سلطة تستطيع أن تنتصر إلى الأبد على قوانين التاريخ والمجتمع والإنسان، فالتاريخ السياسي لا يقدّم لنا مثالاً واحداً لسلطة نجحت في تحويل الخوف إلى مصدر دائم للشرعية، أو استطاعت أن تجعل من الإكراه بديلاً أبدياً عن الرضا.
سقطت أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية تباعاً عندما فقدت قدرتها على إقناع شعوبها بشرعية استمرارها
تناول هذه التصورات ألكسيس دو توكفيل، عندما حذّر من أن الدولة المركزية المفرطة في القوة تنتهي إلى إضعاف المجتمع، لكنها تضعف نفسها معه، فالمجتمع ليس مجرّد كتلة بشرية يمكن إدارتها بالأوامر، بل شبكة معقدة من المصالح والأفكار والتفاعلات. وعندما تتوقف هذه الشبكة عن التعبير الحر عن نفسها، تفقد الدولة أهم مصادر المعرفة: معرفة ما يفكر فيه الناس حقاً.
أما جان بودريار، فقد ذهب إلى أبعد من هذا، عندما تحدّث عن عالم “المحاكاة” الذي تصبح فيه الصور والخطابات أهم من الواقع نفسه. ويمكن قراءة كثير من الأنظمة الديكتاتورية المعاصرة من خلال هذا المنظور. فهي لا تحاول إدارة الواقع بقدر ما تحاول إدارة صورته.لا تسعى إلى حل الأزمات دائماً، بل إلى التحكّم في السردية التي تشرح تلك الأزمات. غير أن الإشكالية تكمن في أن الواقع يملك عناداً خاصاً؛ فهو قد يتأخر في الرد، لكنه لا يختفي.
لقد شهدت التجارب التاريخية نماذج لأنظمة مشابهة، فالاتحاد السوفييتي في عهد ستالين بنى شبكة واسعة من الرقابة والأجهزة الأمنية، لكنه انهار في النهاية، عندما عجز عن مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية. وألمانيا النازية، التي بدت قوة لا تقهر في ثلاثينيات القرن الماضي، انتهت إلى هزيمة كارثية، بعد أن أسّست مشروعها على العسكرة والقمع والعقيدة المغلقة. كذلك سقطت أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية تباعاً عندما فقدت قدرتها على إقناع شعوبها بشرعية استمرارها.
الدولة التي تمنع النقد وتحاصر الحرّيات تحرم نفسها آليات التصحيح الذاتي، وتتحوّل إلى بنية جامدة عاجزة عن التكيف مع المتغيرات
ورغم اختلاف السياقات التاريخية، يتمثل القاسم المشترك بين هذه التجارب بأن الأنظمة الاستبدادية تضعف تدريجياً بسبب مجموعة من العوامل المتراكمة: تآكل الشرعية السياسية، وتراجع الأداء الاقتصادي، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وفقدان القدرة على استيعاب التغيير. فالدولة التي تمنع النقد وتحاصر الحريات تحرم نفسها آليات التصحيح الذاتي، وتتحوّل إلى بنية جامدة عاجزة عن التكيف مع المتغيّرات.
كان ميشيل فوكو محقاً عندما قال إن السلطة تنتج الحقيقة. لكن القرن الحادي والعشرين يكشف حقيقة أخرى: أن المجتمعات أيضاً تنتج حقائقها الخاصة. وعندما يصبح الصراع بين الاثنين صراعاً على تعريف الواقع نفسه، ينحاز التاريخ غالباً إلى المجتمع لا إلى السلطة، لأن السلطة قد تمتلك مؤسّسات الدولة، لكنها لا تستطيع امتلاك الزمن.
الدرس الذي يقدمه التاريخ، من الإمبراطوريات العقائدية إلى الأنظمة الشمولية الحديثة ليس أن كل نظام سيسقط غداً، بل أن كل نظام يغلق أبواب المراجعة والإصلاح يبدأ، من حيث لا يدري، رحلة طويلة نحو التآكل، فالمجتمعات الحية تتغير باستمرار، أما السلطة التي ترفض التغيّر فإنها تدخل في صراع خاسر مع الزمن نفسه.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





