يرى الكاتب ستيفن مارشي في صحيفة نيويورك تايمز أن ما أحدثته سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يعد يقتصر على إضعاف النظام الدولي الذي قادته واشنطن لعقود، بل دفع حلفاء الولايات المتحدة إلى إعادة بناء سياساتهم الأمنية والاقتصادية على أساس افتراض أن الاعتماد على أمريكا لم يعد خيارا آمنا.
ويقول مارشي إن رد الفعل الأول على تهديدات ترمب، التي شملت الدعوة إلى ضم كندا والسيطرة على جزيرة غرينلاند وفرض رسوم جمركية على الحلفاء وتقويض حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كان الغضب والقلق.
لكن هذا الشعور بدأ يتحول تدريجيا إلى ما يصفه بـ”العزيمة المتفائلة”، بعدما اكتشفت الدول الحليفة أن كلفة الانفصال التدريجي عن واشنطن أقل مما كانت تتوقع.
ويضرب الكاتب مثالا بكندا، التي واجهت ضغوطا تجارية أمريكية متزايدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ويشير إلى أن دراسة أجراها بنك كندا أظهرت أن فرض رسوم جمركية أمريكية بنسبة 25% على الصادرات الكندية سيؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، لكنه لن يمثل كارثة وجودية للاقتصاد الكندي.
ويضيف أن دراسة أخرى أعدها معهد الدرع الكندي أظهرت أن انخفاض الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة جرى تعويض معظمه بزيادة الطلب من بقية دول العالم، ما يعني أن اعتماد كندا على السوق الأمريكية بدأ يتراجع تدريجيا.
حدود القوة الأمريكية
ولا يقتصر هذا التحول على كندا، وفق الكاتب، بل يمتد إلى أوروبا، التي شهدت أسواقها المالية أداء أفضل من نظيرتها الأمريكية خلال العامين الماضيين، كما شرعت في توجيه الإنفاق الدفاعي المتزايد إلى الصناعات العسكرية الأوروبية بدلا من الشركات الأمريكية، في إطار إستراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على واشنطن.
ويرى مارشي أن تهديدات ترمب تجاه غرينلاند دفعت الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أدواته التجارية المضادة للإكراه، الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية على التراجع، في إشارة يعتبرها الكاتب دليلا على أن أوروبا اكتشفت بدورها وسائل للضغط على الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد العسكري، يعتقد الكاتب أن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية، معتبرا أن طهران حافظت على نظامها السياسي رغم الضربات العسكرية، بل انتهت إلى الحصول على تخفيف للعقوبات، بينما خرجت دول الخليج -بحسب رأيه- بتساؤلات حول مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية.
كما يرى أن تصريحات ترمب خلال قمة الناتو الأخيرة في أنقرة، والتي هاجم فيها عددا من الحلفاء وكرر مطالبه بشأن غرينلاند، لم تعد تثير الذعر كما في السابق، بل أصبحت تُستقبل باعتبارها تهديدات تفتقر إلى القدرة على التنفيذ.
أمريكا تشبه “الزومبي”
ويشير الكاتب إلى أن دولا عدة بدأت بالفعل تقليص اعتمادها على أمريكا، سواء في المجال التجاري أو العسكري أو التكنولوجي. ويذكر أن كندا أبرمت أكثر من مئة اتفاق تجاري دولي خلال فترة قصيرة، بينما اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على شركات التكنولوجيا الأمريكية، واتخاذ دول مثل بلجيكا وفنلندا خطوات للابتعاد عن خدمات الحوسبة السحابية التابعة لشركة أمازون.
ويصف مارشي الولايات المتحدة بأنها أصبحت أشبه بـ”الزومبي” على الساحة الدولية؛ فهي لا تزال تمتلك قوة هائلة، لكنها -في رأيه- فقدت القدرة على قيادة النظام الدولي بصورة مستقرة، بسبب الانقسام السياسي الداخلي واستمرار حالة عدم اليقين بشأن توجهاتها المستقبلية، بغض النظر عن نتائج الانتخابات المقبلة.
ويختم الكاتب بالقول إن العالم بدأ يتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها شريكا لا يمكن الاعتماد عليه بصورة كاملة، وهو ما يدفع الحلفاء إلى البحث عن بدائل تقلل ارتباطهم بالنفوذ الأمريكي، معتبرا أن عملية إعادة تشكيل النظام الدولي تتسارع، ليس بفعل منافسي واشنطن، وإنما نتيجة السياسات الأمريكية نفسها.
المصدر: الجزيرة






