من قال إن السياسة لا تلعب كرة القدم؟

 

 

 

بقلم/الدكتور التجاني بولعوالي

 

 

 

منذ صباي، علقت بذاكرتي عبارة للروائي المغربي محمد شكري قال فيها في أحد حواراته مع مجلة الوطن العربي: “السياسة لعبة قذرة لا أريد أن أتلوث بها.” وكلما شهدت أحداثا توحي بأن ما يجري خلف الكواليس أكبر مما يظهر على المسرح، عادت هذه العبارة لتفرض نفسها على ذهني.
لقد تأسفت دائما لأن السياسة (أقصد السياسة البراغماتية المتطرفة أو بمفهومها الميكيافيللي الانتهازي) لم تترك مجالا من مجالات الحياة إلا وتسللت إليه؛ فطالت الفكر والدين والفن، ولم تسلم منها حتى الرياضة، التي يفترض أن تبقى فضاء للتنافس الشريف والمتعة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، بدا لي أن ما حدث في مباراة الأمس بين المنتخبين المغربي والفرنسي يثير أكثر من علامة استفهام. ولا أقول ذلك بمنطق نظرية المؤامرة، حيث يلصق كل تعثر أو مشكل داخلي بما هو خارجي، وإنما انطلاقا من الصورة التي قدمها المنتخب المغربي على أرضية الملعب.
لم يكن ذلك المنتخب الذي عرفناه خلال المباريات الأخيرة؛ منتخبا يقاتل على كل كرة، ويستميت في الدفاع عن ألوان الوطن، ويواجه كبار المنتخبات بثقة وندية. بل شاهدنا، طوال شوطي المباراة، فريقا فاقدا لهويته الكروية، مرتبكا في أبسط التمريرات، عاجزا عن الاحتفاظ بالكرة، وكأن لاعبيه، بمن فيهم أصحاب الخبرة العالمية، قد انفصلوا فجأة عن شخصيتهم الفنية والقتالية التي طالما ميزتهم.
كان المشهد يوحي بفريق تائه لا يعرف ماذا يريد، وبمدرب غاب حضوره المعتاد، ذلك الحضور الذي ألفناه في أدق تفاصيل المباريات، قراءة وتدبيرا وتدخلا في الوقت المناسب.
ولو أن المنتخب المغربي قدم حتى جزءا يسيرا من مستواه المعهود، ثم خسر، لتقبلنا النتيجة بكل روح رياضية، ولما وجد هذا الأداء الغريب طريقه إلى إثارة الأسئلة. فالهزيمة جزء من كرة القدم، أما أن يغيب الفريق بالكامل عن نفسه، فذلك ما يجعل الاستغراب مشروعا.
لا أدعي امتلاك تفسير لما جرى، ولا أتهم أحدا دون دليل، لكن من حق الجماهير أن تتساءل عندما ترى هذا التناقض الصارخ بين ما تعرفه عن فريقها وما تشاهده على أرض الملعب. فالمصارحة والشفافية هما السبيل الوحيد لإغلاق باب التأويلات.
وفي النهاية، ستظل كرة القدم مجرد لعبة جميلة، مهما بالغنا في تقديرها. لكن حين يشعر الناس بأن السياسة أو أي تأثيرات خارج الملعب قد تمس نزاهة المنافسة، فإن الخسارة لا تعود رياضية فحسب، بل تتحول إلى جرح في ثقة الجماهير، وإساءة إلى قيم المنافسة الشريفة، وإلى كرامة الوطن الذي يمثل هذا المنتخب.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...