العنصرية في كأس العالم

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

 

رفعُ حسام حسن حركة الاحتجاج على التعرّض للعنصرية من الحكم، خلال مباراة مصر والأرجنتين أثار الكثير من الاهتمام العالمي، إلى درجة أنه تغلّب على النقاش الرياضي حول المباراة. نشرُ النائبة سيليستي أماريلا، عقب هزيمة منتخبها الباراغواي أمام فرنسا في دور الـ16، تعليقات عنصرية تجاه لاعب المنتخب الفرنسي كيليان مبابي لأنه لم يكن ودوداً مع لاعبي بلادها، غطّى على الفعل المُلام عليه اللاعب. كلا الفعلين جعل نقاش العنصرية مركزياً في هذه الدورة من المونديال. لكن النقاش الأساسي هنا، هل يبرّر ردُّ الفعلِ الفعلَ الأساسي؟ وهل الاحتجاج على فعل يستدعي الذهاب إلى أقصى سقف؟

الحكم كان غير موفق في بعض قراراته، لكنه لم يتسبب في خسارة المنتخب المصري لمباراة كان متقدّماً فيها. مبابي لم يكن ودوداً وتجاهل حارس الباراغواي، لأن رفاق هذا الأخير كانوا عنيفين خلال المباراة، وكان سلوكه أيضاً احتجاجاً. هل كان موفقاً؟ هذا أمر آخر. مع ذلك، لم يكن رداً أكبر من الفعل الأساسي.

لأن هناك رد فعل، كان أسوأ من الفعل، وهو ما فعله إيميليانو مارتينيز، الحارس الأرجنتيني الذي اشتهر بحركته البذيئة في كأس العالم عام 2022، التي برّرها بأنه وجهها إلى الجمهور الفرنسي المتكبّر الذي أساء له ولمنتخبه. فكانت أردأ حركة في تاريخ كأس العالم، في نظره، سلوكاً مقبولاً ومبرّراً، لأنه رد على إساءة استفزته.

هي مستويات مختلفة، لردود الفعل، ولا يمكن مقارنة رد حسام حسن برد النائبة البرلمانية، فهو تصرّف وفق لوائح “فيفا”، ولم يتجاوز السقف الأخلاقي، حتى لو لم يكن دقيقاً في تفسير أخطاء الحكم بالعنصرية، وهي تصرّفت خارج الحدود الأخلاقية لردّ الفعل. الفعل وردّ الفعل حول ما يحدث داخل رقعة الملعب يتجاوزان حجم كرة القدم، التي رغم تخطّيها مفهوم اللعب، لكنها لا تزال تحافظ على خط أخلاقي رفيع، إلى مسائل تُشعل المزيد من الحساسيات، ما يُحوّلها إلى أداة ضارّة وسامّة. خُطورة الأثر والمفارقات التي تأتي معه، تُعمّقها الفسيفساء العِرقية للمنتخبات، فيضيع الضحية مع المخطئ.

تلقّى لاعبو المنتخب الهولندي تعليقات عنصرية مقيتة، بعد هزيمتهم أمام المغرب، مع أن العالم تعامل مع منتخبهم على أنه منتخب أبيض، انتصاره يعني انتصار الغرب الأوروبي “المتكبّر”. لكن كل هذا العدد من اللاعبين مختلطي الأعراق يعني أن المسألة مركّبة. فنجد أنفسنا ونحن نقيّم سلوك اللاعبين والفرق التقنية والحكّام أمام مفارقاتٍ تُصعّب المهام أمام الأحكام الجاهزة. فنتعاملُ مع لاعبي منتخبات أوروبية بشكل مرتبك، فهل يمثلون العنجهية البيضاء، وبالتالي يجب التعامل معهم على أنهم “رجال بيض” حتى لو كانوا سود البشرة؟ أو فصلهم عن عقلية الرجل الأبيض؟

النائبة الباراغويانية انزعجت من ردّ مبابي عليها، ووصفه بأنها امرأة حقيرة غير جديرة بمنصبها، معتبرة أن هذا التصريح يمثل هجوماً تمييزياً ضدها، وقد طالبته بالاعتذار، مهدّدة باللجوء إلى القضاء بتهمة العنف القائم على النوع الاجتماعي. يا للسخرية! عُنصرية تتهم ضحيتها بالعنصرية، لكن من نوع آخر. هنا تستخدم الضحية “النموذجية” سلاح الآخر في المكان الخطأ، وبدل الاعتذار عن الخطأ، تبحث في مظالمها عن مظلمة تستعملها للدفاع عن ظلمها. مع أن ردّ مبابي كان لا أخلاقياً بدوره، حين وصفها بالحقيرة.

ليس سهلاً أن تفتح النار، في لحظات الانفعال، على غيرك من مدفع التنمّر والطائفية والعنصرية ثم تشكو من رده عليك من نفس المدفع. مع العلم أن رد اللاعب العنيف لم يكن تمييزاً قائماً على النوع، إلا إذا صارت صيغة التأنيث عيباً؟ هل عليه أن يُلغي صيغة التأنيث من الفرنسية التي تُجيدها لأنها درست في فرنسا. يبدو أنها خلطت بين اللاعب وعنصرية النخبة السياسية الفرنسية. لكنها طلقة عمياء، فمبابي، رغم أنه فرنسي بالأوراق واللغة والانتماء، ليس “فرنسياً جداً”، كما يجب بالنسبة إلى الفرنسيين، وبالتالي لا يمكن وصمه بالتكبّر، لذا وجدت الحل في أن تصمه بالفقر والتخلف في بلد والديه. في جميع الحالات، لا يمكن تحميل الكرة أكثر مما تتحمّل، بردود فعل انفعالية غير موفقة، وإلا ضاعت الرياضة وسطها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...