حين يغادر الأدب الورق: الإبداع في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 

 

 

 

 

د سعيد كفايتي
جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

 

مقدمة
لا ينفصل تاريخ الأدب عن تاريخ الوسائط التي احتضنته وحفظته وأسهمت، على مدى قرون طوال، في انتشاره. فمن تقاليد المشافهة وطرق الكتابة على الألواح والبردي، مرورا بالمخطوط والكتاب المطبوع، وصولا إلى الشاشة والفضاء الرقمي، ظل النص الأدبي يتغير، على الدوام، بتغيّر أدوات إنتاجه وتلقيه. غير أن التحول الرقمي لم يقتصر على تعويض الورق بالشاشة، بل أعاد صياغة مفهوم النص، وغيّر أكثر من ذلك العلاقة المألوفة بين المبدع والمتلقي، وأدخل الصورة والصوت والحركة والبرمجة في بناء العمل الأدبي. ومع التطور المتسارع والمخيف للذكاء الاصطناعي، وجد لأدب نفسه أمام أسئلة جديدة تتعلق بهويته، وحدود الإبداع الإنساني، ومكانة التكنولوجيا في عملية التأليف.
من النقش على الحجر إلى الكتاب المطبوع
لازم الإبداعُ الإنسانَ منذ فجر الخليقة، وتعددت أشكاله، وتنوعت لغاته بتنوع المجتمعات والحضارات. وإذا كان جانب من هذا التراث الأدبي والفني قد انتقل شفويا من جيل إلى آخر، ومن حضارة إلى أخرى، فإن الإنسان لم يتوقف عن تطوير الكتابة ووسائطها، ولا عن تجديد المواد التي تقوم عليها هذه الوسائط وتشكل بنيتها الأساسية. تزامنت بداية التاريخ مع مرحلة الكتابة التصويرية (الكتابة المسمارية والكتابة الهيروغليفية) حيث كانت تُستخدم الرموز والرسوم للتعبير عن الأفكار، ووصلتنا روائع من الأدب القديم (بلاد الرافدين، ومصر، وبلاد فارس، واليونان)، ثم أعقبت هذه المرحلة الكتابة الأبجدية والعدد المحدود لرموزها، وأصبح النص أكثر تجريدا وقابلا للتدوين والتوسع. وموازاة مع ذلك شهد الكتاب بدءا من القرن الثاني الميلادي الانتقال من صيغة اللفافة Scroll إلى صيغة ¬الكودِكس Codex وهو الصيغة الأولية للكتاب الذي يتألف من صفحات مجمّعة ومثبتة من جانب واحد، ويُعد الشكل الأول للكتاب بصورته الحديثة. وقد سمح هذا الابتكار حينئذ بانتشار المعرفة وتداول النصوص بشكل واسع. والورق نفسه ما لبث أن تحول من البردي الذي كانت تحتكره مصر إلى الرق المصنوع من جلود الأغنام وغيرها. وأثر هذا التحول في حفظ النصوص، وسهولة انتشارها. وخلال هذه المراحل كلها كانت طباعة الكتاب تقتضي وجود العشرات أو المئات أو الآلاف من الكتبة والنساخين. ولم يكن الحصول على النسخ أمرا يسيرا، بل كان مكلفا ولا يقدر عليه إلا فئة محدودة من الناس. ولم تحدث ثورة معرفية حقيقية إلا في القرن الخامس عشر مع ظهور الطباعة. فالنص صار متاحا للجماهير. مما غير طبيعة الثقافة والتعليم. لكن مع ذلك كان يجب أن ننتظر العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة لنعيش على مدار الأيام والأشهر والسنوات تحولات متعاقبة ومتسارعة لا تكاد تترك لنا متسعا لالتقاط أنفاسنا، وترتيب أفكارنا.
حين يتحول الخيال إلى واقع
أستحضر في هذا السياق نبوءتين طريفتين: عندما كنت بمدينة وجدة كان واحدا من أصدقائي المقربين، وهو بالمناسبة قاص متميز، يتخوف من وقت يكتسح فيه الورق كل شيء، جرائد، مجلات، كتب….. وهذا الأمر تحقق فعلا، وإن كان سيعرف انحسارا في المدى القريب أمام هيمنة الكتاب الرقمي. والنبوءة الثانية لصديقة، وهي إعلامية معروفة، كنا منشغلين آنذاك بترجمة مقالات في المسرح من الفرنسية إلى العربية باغتتنا ذات يوم بقولها إن الترجمة ستصبح، في يوم من الأيام، عملا يسيرا لا يتطلب كل ذلك الجهد الذي كنا ننفقه في ترجمة النصوص. فضحكنا ملء أفواهنا مما حسبناه سذاجة وخيالابعيدا. ويبدو اليوم أننا نحن الذين كنا سذّجًا.
فما كان بالأمس خيالا جامحا غدا اليوم واقعا معيشا. بساط الريح، وعبارة «افتح يا سمسم»، وقطع المسافات في رمشة عين، وغيرها من الصور العجائبية التي كنا نتلقاها بانبهار ودهشة، لم تعد مجرد عناصر في الحكايات والأساطير، بل أصبحت، بصور مختلفة، جزءًا مألوفًا من تفاصيل حياتنا اليومية.
الأدب يغادر الورق
في هذا السياق كله لم يكن النص الأدبي بمنأى عن هذه التحولات، بل هو جزء منها. وحين نتحدث عن النص الأدبي، فإننا نستحضر، بالضرورة، شخصية المبدع، وشخصية المتلقي، والوسيط الذي ينقل هذا النص ويحفظه ويسجله. وإذا كان النص الأدبي الورقي خلاصةَ قرون طويلة نضجت خلالها النظريات الأدبية على نار هادئة، وتبلورت مفاهيمها ومناهجها بصورة تدريجية، فإن الأدب الرقمي — وليس الأدب المرقمن — ظهر أشبه بزلزال عنيف هزّ الأركان، وقوض كثيرا من البنيات والمسلمات الراسخة، ووضع المبدع والناقد والقارئ أمام أسئلة جديدة لا عهد لهم بها، تتصل بطبيعة النص، وحدود التأليف، وأشكال التلقي، ووظيفة الوسيط، والعلاقة المتغيرة بين الإنسان والتكنولوجيا: ما الذي يجعل العمل الرقمي عملا أدبيا؟ وهل تُعد التكنولوجيا شريكا له في عمله الأدبي؟ وما هي الخصائص الجمالية التي تعكس خصوصيته الأدبية؟ وما هي التحديات التي تواجه المبدع نفسه. فمع ديمقراطية أدوات الكتابة والتوثيق والنشر، أصبح بإمكان أي شخص، كيفما كان مستواه الفكري، أن يؤدي وظيفة الكاتب. تماماً كما يمكننا استخدام كاميرا الهاتف المحمول لتصوير الأحداث وبثها مباشرة أو لاحقا مثل أي صحفي محترف ومن من دون الانتماء إلى أي مؤسسة إعلامية، يمكننا أيضاً كتابة ونشر مقالات، تغريدات، ونصوص تُصنّف أدبية. إلى غير ذلك من الأسئلة المحيرة التي وقفت عاجزة أمام تحديد هوية هذا الأدب.
الأدب والذكاء الاصطناعي: إبداع جديد أم تهديد للإنسان؟
الأدهى من ذلك أن الأدب الرقمي يتطور بشكل سريع ومخيف. قبل سنتين أو ثلاث سنوات لا أحد كان يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، اليوم أصغر تلميذ يردد هذه الكلمة السحرية التي قلبت كل شيء رأسا على عقب، وتزايد بشكل سرطاني عدد المتطفلين على الأدب الرقمي. القارئ نفسه الذي اعتاد أن يقلب صفحات ديوان شعري، وأن يلمسه بأنامله، وقد يخط على بعض الكلمات بقلم الرصاص. وقد يكون الديوان يحمل توقيع الشاعر في صفحته الأولى. هذه التقاليد أصبحت جزءا من الماضي. وربما قد يأتي يوم لا يعرف فيه أحفادنا شيئا يسمى ديوان شعري. أتذكر في هذه اللحظة أستاذي في السلك الإعدادي المرحوم محمد لقاح، وهو يكاد يطير من الفرح، حين طبع على نفقته الخاصة ديوانا صغيرا في حجم كف اليد (هذا العشق ملتهب). إن هذا النوع من الفرح الطفولي حرمنا منه الآن. القارئ الرقمي يواجه تجربة جديدة، شاشة حاسوب أو هاتف نقال، لوحة مفاتيح، فأرة، تشغيل النصوص أو تحريكها. أدب رقمي بصور أو أصوات أو موسيقى. أدب ملتي ميديا.
خاتمة
جملة القول إن النص الأدبي لم يعد محصورا في وسائطه التقليدية الورقية، بل ارتبط بالوسيط المعلوماتي الذي يمنحه هويته الخاصة، هذا الأدب لا يمكن أن يقرأ خارج السياق الرقمي، لأنه يرتكز على دمج اللغة الأدبية بالبرمجة، وعلى توظيف الوسائط المتعددة من صورة، وصوت، وفيديو، وحركة. مما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التأويل والتلقي.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...