استراحة استراتيجية حواشي على هامش إصبع اليد: السَّبَّابَة

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

 إصبع السَّبَّابَة عضو صغير في اليد، لكنه يؤدي وظائف كثيرة تتجاوز حجمه بكثير؛ وله في الثقافة الإسلامية حضور روحي وديني واضح، كما أن له في الحياة اليومية أدوارًا دقيقة ومتعددة.

غير أن هذا الإصبع الصغير قد يتحول، بكثرة «النغيز» به، إلى مصدر للمشكلات بل إلى أداة تقود صاحبها أحيانًا إلى ما هو أبعد من مجرد الخطأ العابر: إلى التشهير والإساءة والإشاعة وحتى المنع من ولوج مواقع التواصل الاجتماعي.

 ومن السذاجة إلى الكارثة، حدث تحول عميق في مفهوم الحرب: من استعراض القوة إلى هندسة الاختراق، ومن المواجهة المباشرة إلى التأثير عن بُعد. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائمًا بالرصاص؛ قد تبدأ أحيانًا بامتداد إصبع السبابة فوق شاشة صغيرة، وبنقرة تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها قد تفتح سلسلة من الأفعال والآثار التي لا يمكن التراجع عنها بسهولة.

 بهذا الإصبع نشير عندما ننطق مفتاح الإسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ونستعمله في التشهد، ونسبح به لله، ونشير به إلى شيء أو مكان أو شخص، ونرفعه للنفي بما يفيد «لا». وقد يصبح، في لحظات الخشوع، تعبيرًا حركيًا عما تعيشه الروح من توحيد وانكسار واستحضار.

 لكن السَّبَّابَة ليست ابنة المجال الروحي وحده؛ فهي حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. بها نضغط أزرار الهاتف والحاسوب، ونحرك المؤشر، ونفتح الملفات، ونمسح الشاشات، ونكتب ونرسم ونمسك القلم والريشة، ونشارك في العزف على آلة العود، بل ونستخدمها في عدد لا يحصى من الحركات الدقيقة التي تجعل اليد أداة للفعل والإنجاز. وقد تمتد وظيفتها من أدق الأعمال إلى أكثرها خطورة، حتى إنها قد تكون الإصبع الذي يضغط على الزناد.

 ولعل المفارقة أن الإصبع نفسه الذي قد يشير إلى التوحيد في لحظة تشهد، يمكن أن يتحول في الفضاء الرقمي إلى إصبع للنشر والتشهير والتحريض. فبضغطة واحدة يمكن نشر إشاعة، أو إعادة تدوير كذبة، أو تقاسم صورة مجتزأة، أو تسجيل صوتي مفبرك، أو فيديو مضلل، أو منشور يستهدف شخصًا في سمعته وكرامته. وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بحركة إصبع، وإنما بالمسؤولية التي تسبق الحركة وما يترتب عليها بعدها.

 إن إصبع السَّبَّابَة يشبه قائدًا صغيرًا لبقية أصابع اليد؛ يشير ويوجه ويضغط ويكتب ويكشف موضع الألم ويقود اليد إلى إنجاز المهمة. وقد يقوم أحيانًا بدور الوسيط الذي يصحح ما أفسده جارُه، إصبع الوسطى، حين تنفلت منه حركة متهورة أو مستفزة فتتحول إلى سبب في مشادة أو عراك. وحينها تتدخل السبابة بحركة نافية متأرجحة، كأنها تقول: «لا». وربما كان في هذه الوظيفة شيء من دلالة التسمية نفسها، فهي الإصبع التي تشير وتدل وتعلن وتوجه.

 وأمامها يقف الإبهام، ذلك الإصبع الوقور الذي لا تكتمل قوة اليد إلا بتعاونه مع بقية الأصابع. فاليد لا تعمل بإصبع منفرد، وإنما بمنظومة متكاملة؛ وإذا اختل التنسيق بينها فقدت قدرتها على أداء وظيفتها. وكذلك الإنسان: ليست المشكلة في الأداة، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها الأداة والغاية التي يوجهها إليها.

 وهنا تصبح السَّبَّابَة الرقمية أكثر إثارة للتأمل. فقد انتقلت من خط الرمل والورق والقلم إلى لوحة المفاتيح والشاشة، ومن الإشارة إلى شخص أو مكان إلى الإشارة إلى رابط أو حساب أو منشور. وأصبح «النقر» فعلًا اجتماعيًا له أثر، وأصبحت المشاركة موقفًا، وإعادة النشر مسؤولية، والضغط على زر صغير قادرًا على إنتاج أثر كبير.

 الإشاعة تبدأ في ذهن خبيث، وقد يصوغها عقل حاقد، ثم تجد طريقها إلى أصابع تبحث عن النشر والترويج، قبل أن تجد جمهورًا يصدقها من غير تحقق. وهكذا لا تنتج الكارثة من الإصبع وحده؛ بل من اجتماع سوء النية مع سهولة الأداة وغياب التحقق.

 لهذا فإن المشكلة ليست في السبابة، وإنما في صاحبها. فالإصبع لا يعرف الخير من الشر، ولا الصدق من الكذب، ولا الحق من الباطل. إنه ينفذ فقط. أما القرار الحقيقي فيصدر من العقل والضمير. ومن هنا تبدو السبابة الرقمية مرآة صغيرة لأخلاق صاحبها: قد تكون إصبع شهادة وتوحيد وكتابة وإبداع، وقد تصبح إصبع تشهير وكذب وتحريض وإيذاء.

 في النهاية، قد يكون أصغر ما في اليد قادرًا على إنتاج أكبر ما في الأثر. وبين إصبع يرفع في التشهد وإصبع يضغط زر «النشر» مسافة قصيرة جدًا؛ لكن ما يصنع الفرق ليس طول المسافة، وإنما ما يسكن خلفها من نية وعقل ومسؤولية.
تبقى السَّبَّابةُ إصبع المفارقة: تستطيع بأدنى جهد أن تشهد بالتوحيد، وأن تفتح ملفَّ الحرب بالضغط على الزناد.
وما لم يُستعَد ضبطُ إيقاعها الأخلاقي؛ بأن تُذكَّر كلَّ لحظةٍ بسابقتها في التشهُّد؛ فسيظلُّ صاحبُها مأخوذًا بين حالين: خشوع المُصلِّي، وانزلاق المُرجِف.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...