محمد الدكالي
هناك شيء غريب لايكاد يصدقه أي عقل سليم، فباستثناء حزب العدالة والتنمية، لم تتطرق برامج الأحزاب إلى الكارثة الكبرى، كارثة التربية والتعليم، وهي أكبر من زلزال الحوز، ومن سنوات الجفاف، ومن الأزمات السياسية المزمنة التي يعرفها بلدنا. كارثة التربية والتعليم أكبر من كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة التي وردت في برامج الأحزاب، فهي نواتج ومخرجات لكل البلاوي المذكورة آنفا. أية رؤية تشخيصية عميقة ستخلص إلى هذه الحقيقة.
لنتذكر واقعة ذات دلالات لا يلتفت إليها، عندما قدم حزب العدالة والتنمية، وأنا لا أنتمي إليه ولي عليه ملاحظات نقدية، قائمة بأسماء المرشحين لتولي المسؤوليات الوزارية من غير ما يعرف بالوزارات السيادية، فقيل لهم: انسوا وزارة التعليم، فنسوها فورا. ساعتها، أدركت أن هذا الحزب لن يكون باستطاعته إحداث أي اختراق جاد في اتجاه تحقيق إصلاح جوهري ما. وخلال عهدته الحكومية، أعدّ فريق متخصص وثيقة لرؤية استراتيجية للتربية والتعليم، حازت على الموافقة الملكية، لكنها بقيت حبيسة في درج ما وساد بعدها صمت وتجاهل لهذه الوثيقة.
وزارة التربية والتعليم ليست من الوزارات السيادية، لكنها سيدة الوزارات في وطننا المنكوب، ومن شبه المستحيل معالجة المشكلات الخطيرة المستشرية، المنذرة بشر مستطير لمستقبل المجتمع والدولة، من دون إعادة بناء النظام التربوي والتعليمي برمّته، من الأساسات، ولكل مكوّناته وبكل متطلباته، وليس مجرد الإصلاح، لا يمكن ترميم بناء فسدت قواعده وتداعى هيكله؟ يجب إعادة البناء، ليس البنايات، إنما الرؤية الاستراتيجية، والسياسات والبرامج وتوفير المتطلبات، وهذه كلها ستتطلب وقتا تحدده الخطة الاستراتيجية التي نتمنى أن ترى النور.
مؤشرات مخزية
لا بد من التذكير ببعض فقط من هذه المؤشرات، وهي مرعبة فعلا:
- يتذيّل المغرب المرتبة 121 عالميا في سلم التنمية البشرية ( البنك الدولي2022 ).
- نسبة الأمية في أوساط الراشدين 48% (البنك الدولي 2009).
- صُنّف المغرب ضمن أسوء 21 دولة في العالم في مجال التربية والتعليم (يونسكو).
- أقل من نصف عدد التلاميذ في المغرب يفلحون في تعلّم المهارات الأساسية للقراءة والكتابة. (يونسكو، بنموسى وزير التعليم السابق الذي لم يذكر النسبة الحقيقية التي هي بالتأكيد أقل من هذه النسبة بكثير)
- “الهدر” المدرسي: حوالي 000 من بنات وأبناء المغاربة يغادرون مقاعد الدراسة سنويا في مختلف مراحل التعليم (بنموسى)، وإذا ضربنا هذا العدد في 10 سنوات ماضية فقط، فالحصيلة هي 3 ملايين، أي جيش حقيقي من الأدمغة التي تُعدم قدراتها الواعدة ويحرم بلدنا من عطاءاتها البانية، وبحساب الأرقام التراكمية لبنات وأبناء المغاربة الذين حرموا من التعليم أو لم يتمكنوا من مواصلته منذ الاستقلال، سنجد أنفسنا أمام رقم بالملايين.
- صنّف المغرب في برنامج قياس أداء التلاميذ الذي تجريه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الأمم المتحدة) لسنة 2025، في المرتبة 82 من أصل 91 دولة، ولاحظ تقرير المنظمة أن هذه التاائج تشكل تراجعا مقارنة مع سنة 2022.
مؤشر واحد فقط من هذه المؤشرات، يفترض معه أن تقوم القيامة في بلدنا، تهز الدولة والمجتمع معا. المضحك المبكي في نفس الوقت، كلمتا “الهدر” و”التسرّب” المدرسي، المحببان في لغة المسؤولين، يعلقه رؤساء حكوماتنا ووزراؤهم في الفضاء ولا يجرؤون على شرح أسبابه. كلمة “التسرّب” توحي بأن أولاد وبنات المغاربة هم الذين يتسرّبون “حويطة حويطة” من المدارس، وفيه كناية عن مسؤولية المغاربة أنفسهم عن هذا “الهدر”.. احتقار لعقول المغاربة؟ أعتقد أنه كذلك.
الأمم الحية
كل التجارب الإنسانية الناجحة في نهضة الأمم ركزت على التربية والتعليم، في اليابان وكوريا وفييتنام، وماليزيا وإندونيسيا وتركيا، وفي الدول الاسكندنافية والأوروبية وفي أمريكا الجنوبية، فخرجت من الهزيمة إلى القوة، ومن التخلف إلى المواقع المتقدمة بين أمم الأرض.
تشير تقارير دولية إلى وجود تقارب وتشابه بين وضعية كوريا الجنوبية والمغرب في بداية الستينيات الماضية. بعد عشرين عاما فقط، قفزت كوريا إلى الأمام قفزة كبيرة جدا، أما الآن، فهي من كبريات النمور الآسيوية، والسرّ في التربية التعليم.
سنغفورة، البلد الصغير الذي كان مغمورا لا يكاد يذكر، يُصنف منذ عشرين عاما من بين أوائل الدول في التقدم الاجتماعي والاقتصادي، وسرّه هو الآخر في التربية والتعليم.
ماليزيا، قادها الطبيب المثقف د. مهاتير محمد نحو الرقي والازدهار عبر رؤية استراتيجية وطنية مستقلة لعشرين عاما أولى، ركز فيها أولا على التربية والتعليم كأساس للتطور الاجتماعي والاقتصادي، ثم أعقبها برؤية استراتيجية ثانية أكثر تطورا لعشرين عاما ثانية كان تطوير التعليم والتربية فيها على رأس الأولويات كذلك، أوصلت بلده إلى ما وصلت إليه، ومن زار ماليزيا يدرك هذا جيدا.
أتذكر في سنة 1977 عمدما كنت طالبا في المدرسة الوطنية للإدارة العمومية، أن أحد الأساتذة، وكان وقتها كاتبا عاما في وزارة التربية والتعليم، ترأس وفدا من الوزارة في زيارة لليابان، وكان ضمن البرنامج زيارة لإحدى المدارس الابتدائية في مدينة صغيرة. في صباح يوم الزيارة وصل الوفد العتيد إلى المدرسة وذهبوا إلى مكتب مديرها فوجدوه يطوي كيس نوم، ففهموا أن المدير نام ليلته في المكتب، فلما سألوه عن القصة، قال أن موظفي القطار الذي يركبه كل صباح أضربوا عن العمل فما كان منه إلا أن نام في مكتبه كي لا يتخلف عن واجباته. ثم حضر الوفد المعربي مشهدا عجبا عندما انتظم كل التلاميد في ساحة المدرسة بسرعة وبنظام محكم دون أية فوضى أو تدافع أو “شقاوات”، وانقسموا بسرعة كذلك إلى مجموعات منظمة وأخذوا أدوات التنظيف التي كانت مرتبة بعناية في مرفق خاص، ثم بدأوا في تنظيف الفصول والممرات والإدارة، كل مجموعة لها مهمة محددة، وبعد ربع ساعة بالضبط كانت أدوات التنظيف مرصوصة في مكانها بعناية، وعادوا إلى الساحة ليلتحقوا بأقسامهم، بنظام وانتظام. بالمناسبة، أتذكر أن هذا المسؤول الكبير في الوزارة قال لي مرة مفتخرا، أن بناته الثلاث لا يستمعن للإذاعة الوطنية بالعربية، ويتابعن إذاعة الرباط بالفرنسية فقط.
من هم المسؤولون ومن يقف وراءهم؟
المؤشرات المرعبة المذكورة آنفا، لها طابع تراكمي منذ الاستقلال. كل محاولات “إصلاح” النظام التربوي والتعليمي في بلدنا أجهضت إجهاضا، منذ إنشاء “اللجنة العليا لإصلاح التعليم” سنة 1958 التي تبنّت مبادئ التعريب وتوحيد البرامج والمغربة والتعميم، فأجهضت بعد سنة أو أقل بقرار اعتماد اللغة الفرنسية رسميا. في 1964 أقرت “مناظرة المعمورة” مبادئ مشابهة، فأجهضت كذلك. ثم جاءت مخرجات “مناظرة إفران” سنة 1970 (أي منذ 50 عاما)، لتقرّ هي الأخرى مبدأي التعميم والمغربة، لتوضع على الهامش هي الأخرى. ثم جاء بعدها بثلاث سنوات برنامج استعجالي لاعتماد المبدأين السابقين، فانتهى إلى لاشيء تقريبا. في عام 1980 اعتُمد “مشروع إصلاح التعليم” وأطلق معه “المخطط الثلاثي” الذي أقر ضرورة تعميم التعليم في القرى المغربية، وها نحن نرى أوضاعه المحزنة فيها. في عام 1994 تشكلت “اللجنة الوطنية المختصة بقضايا التعليم” التي أوصت بإلزامية تعليم الاطفال بين 6 و16 سنة، وإقرار مجانية التعليم والتعريب والتوحيد” (كيف ما مشات الحيّة تمشي اختها)ـ. في عام 1999 تشكلت “اللجنة الملكية الاستشارية للتربية والتكوين” التي أصدرت “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” (نفس المآلات). في عام 2006 أحدث “المجلس الأعلى للتعليم” الذي أقر في تقرير أصدره عام 2008 (أي بعد سنتين!!) أن معظم الأهداف التي سطرها “الميثاق” لم يتم تطبيقها على “الشكل الأمثل” (بمعنى الفشل دون التطرق إلى الأسباب والعوامل الحقيقية ودون تحديد أية مسؤوليات). بعدها أطلق برنامج استعجالي جديد (2009-2012)، والجميع يعرف الفضائح المدوية لنهب وإهدار مليارات الدراهم المخصصة للبرنامج، وهو نهب حصل بطريقة استعجالية كذلك، وتبين أن ذلك البرنامج “الاستعجالي” كان خداعا وسرابا ولم تكن هناك أية مساءلة أو محاسبة، وخرج منها الوزير المعني سالما معافى، كما هو الحال مع أغلب الوزراء والمسؤولين الكبار المتعاقبين على وزارة التعليم منذ سبعة عقود. في عام 2015، صدرت “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية” في أفق 2030.(*) وبعد سبع سنوات من إصدار تلك الرؤية الاستراتيجية، يعود بنموسى ليقول للمغاربة ببساطة، أن وضعية التربية والتعليم في بلدنا كارثية، أما وزير التعليم الحالي، فهو أصم وأعمى وأبكم، كمثل الحمار يحمل أسفارا.
لماذا فشلت أو أفشلت كل تلك المحاولات السابقة طوال سبعين عاما منذ الاستقلال؟ هل هذه الكوارث المتلاحقة محض صدفة؟ ولماذا بقي الثابت الوحيد طوال هذه العقود السبعة هو الفشل والإفشال؟ ومن هم المسؤولون عن هذه الكوارث الكبرى؟ ولماذا لم يحاسبوا؟ ولماذا الإصرار على إقصاء كبار الخبراء الأكفاء النظيفين المخلصين من مواقع المسؤولية في وزارة التربية والتعليم وتعيين وزراء ومسؤولين فاسدين عديمي الخبرة مثل وزير سابق لا يعرف العربية ومعروف باتجاهاته الشاذة حول التربية والتعليم ليس أقلها شناعة دعوته اعتماد اللغة الدارجة في التعليم؟ أو وزير عديم التربية لهف ميزانية ضخمة باسم برنامج استعجالي. من هم أصحاب المصلحة، داخليا وخارجيا، في تخريب وتدمير النظام التربوي والتعليمي بهذا الشكل المنهجي “المستدام”؟ أن يتعاقب على سيدة الوزارات مسؤولون من عديمي الكفاية وعديمي الشعور بالمسؤولية، لا يعرف أحد كيف وبأية معايير يتم اختيارهم لإدارة قطاع يتوقف عليه مستقبل ومصير بلدنا، موبوءٍ جينيا بكل أنواع الفساد المهني والمالي والإداري.. نظام كهذا، لا بد أن يدمر عناصر القوة والحياة في أي مجتمع.
يجب ألا نمضع الكلام، ما تزال لفرنسا القدرة على التأثير في رسم السياسات العمومية بشكل خاص في مجال التربية والتعليم في البلدان المستعمرة سابقا، و هو ثاني أهم أهداف “المنظمة الدولية للفرنكوفونية” (OIF) وقد نصّت هذا صراحة في وثيقتها التأسيسة.
القوة الاقتراحية الضاغطة
كيف يكون الحل وعندنا فئات اشتغلت وتشتغل على خرق قاع السفينة وليس سطحها فقط؟ لقد بدأت سفينة الوطن تغرق، فإما أن يبادر العاقلون المخلصون بالعمل والضغط، أو ستغرق السفينة بمن فيها.
لا أعرف ما إذا كانت هناك دراسات تشخيصية تحليلية لنتائج السياسات التربوية والتعليمية في بلدنا منذ الاستقلال، بالمعايير العلمية المتخصصة. نحن في أمس الحاجة لمثل هذه الدراسات لمعرفة الآثار المدمرة لتلك السياسات على المجتمع المغربي أفقيا وعموديا.
في جميع الحالات، يتوفر بلدنا على صفوات من الخبراء من ذوي الكفايات العالية والاستقامة الأخلاقية، وهم مدعوون للتداعي إلى القيام بهذه الدراسة الاستراتيجية الشاملة التي لا يمكن الاستغناء عنها، دون أن ينتظروا “تعويضات” أو “مكافآت”، فهي أساس أية معالجات جادة ومسؤولة. لا بد من استنهاض الشجاعة الأخلاقية والعلمية للقيام بها، فالمسألة مسألة حياة أو موت. لا يعقل أن نستمر في ابتلاع الأفاعي الصغيرة التي ما فتأ المسؤولون الفاشلون يلقونها أمامنا ليسحروا بها أعيننا عن إبصار الواقع المرعب للنظام التربوي والتعليمي ولنتائجه المدمرة، وهي أكثر رعبا في المستقبل على أجيال المجتمع وعلى الدولة معا.
بلدنا في حاجة عاجلة إلى:
- أن يتداعى الخبراء الأكفاء النظيفون، بمبادرات شجاعة، لتشخيص شامل لملف التربية والتعليم منذ الاستقلال، بالاقتدار العلمي والمهني، يحلل بدقة عوامل ونقاط الضعف والخلل، في المرجعيات التأسيسية، وفي التوجهات العامة، وفي السياسات المتعاقبة، وفي البرامج وفي أنماط التدبير الشامل، خاصة في تدبير الموارد البشرية، وفي طبيعة المناهج التربوية والتعليمية، وفي سياسات وبرامج التكوين، وفي الخريطة الجغرافية للقطاع لكشف الحيف الفظيع الذي تعرفه مناطق واسعة خاصة العولم القروية.
- يجب أن تفضي العملية التشخيصية الشاملة إلى تصميم استراتيجية وطنية لعشرين عاما مثلا، كمرحلة أولى، برؤية الذات القيمية والحضارية، تعيد لها الاعتبار في التوجهات الكبرى، وبالاستفادة من التجارب النافعة لدى الأمم الحية، في تصميم الاستراتيجيات، وفي صياغة التوجهات والسياسات، وفي المنهجيات والأدوات والإجراءات والمتابعات والتقييم للتقويم.
- يجب أن تركز هذه الاستراتيجية على التربية وما أدراك ما التربية، بنفس المرجعيات والمواصفات. يجب ألا تقتصر مبادرات البدائل على الصياغات العامة، فهي لا تجدي نفعا إن لم تتحول إلى اقتراحات عملية كسياسات مكتوبة، وبرامج عملية قابلة للتطبيق، وأنظمة تدبيرية بمواصفاتها الواجبة، وبميزانياتها التقديرية، وبمنهجيات المتابعة والتقييم.
لنلاحظ أن بعضا من تلك المحاولات التي بذلت منذ الاستقلال لوضع النظام التربوي والتعليمي في المغرب على الصراط المستقيم، كانت وراءها صفوة وطنية مخلصة، ولا شيء يمنع من استئناف المحاولات. هذا يعني أن الخبراء المغاربة في المجالات المذكورة، والمثقفين ورجال ونساء التعليم وجمعيات أولياء أمور التلاميذ والإعلام، من ذوي الضمائر المخلصة النقية وما أكثرهم، مدعوون لتجديد العهد مع وطنهم، بإطلاق المبادرات لتنظيم مؤتمرات وندوات علمية متخصصة ، والعمل الطوعي المنظم لإعداد وصياغة القوة الاقتراحية، كسياسات وبرامج لعلاج التعفّنات التي تضرب قطاع التعليم والتربية، وتصميم البدائل البانية للمستقبل، وتشكيل مجموعات الضغط وتقديم الملتمسات والعرائض عبر القنوات التي يتيحها القانون، وعبر وسائط التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، لإقناع أو إجبار المسؤولين المعنيين على الاستماع والحوار معهم، والضغط للدفع في اتجاه تعديل المسارات نحو بناء مستقبل الوطن وإنقاذه من المهددات القاتلة.
لا توجد طريقة أخرى، فهذا دَيْن يجب إيفاؤه للمجتمع والوطن، وليس منّة، فالتجارب الإنسانية النافعة في كل مكان تعلّمنا أن التدافع بقوة العقول الواعية الخبيرة ومراكمة الإنجازات هي الطريقة الوحيدة للتغلب على التحديات وبناء المستقبل بشكل صحيح، ودونه عزم ومصابرة ووقت. هناك مثل ألماني يقول “لا توجد أشياء مهمة يمكن الحصول عليها بسهولة”.
(*) هذه المعطبات مقتبسة من مقالة الصحافي نوفل الشرقاوي حول “ضعف النظام التعليمي بالمغرب رغم الإصلاحات” المنشور في موقع https://www.independentarabia.com/node/283601 بتاريخ 7/12/2021





