الاستخبارات الإسبانية تحت المجهر.. اتصالات مع الروس وشبهات في قلب “الناتو” تكشف ثغرات أمنية وتعيد أزمة سبتة و”بيغاسوس” إلى الواجهة
رصدت أجهزة الاستخبارات المضادة الإسبانية خطرا أمنيا محتملا مرتبطا بضابط في البحرية كان يعمل في أحد المراكز الحساسة التابعة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، على خلفية علاقة جمعته بسيدة بريطانية من أصول بولندية أثارت تحركاتها شكوك الأجهزة الإسبانية ونظيرتها التابعة للحلف، في قضية انتهت بإبعاد الضابط عن منصبه وإعادته إلى إسبانيا، وفق ما كشفته صحيفة “The Objective” الإسبانية.
وكان الضابط، الذي يحمل رتبة “كابيتان دي كوربيتا” (Capitán de Corbeta)، يعمل في نورثوود بالمملكة المتحدة، حيث يوجد مقر القيادة البحرية للحلفاء (MARCOM)، التي تُنسق من داخلها بعض أكثر العمليات البحرية حساسية في حلف “الناتو”، بما في ذلك مراقبة تحركات الأسطول الروسي.
وبدأت أجهزة الأمن تدقق في القضية بعدما اصطحب الضابط شريكته جانينا وايت، إلى مناسبة عائلية داخل منشآت الحلف، الأمر الذي دفع إلى فحص خلفيتها ومدى ما يمكن أن يمثله وجودها من مخاطر مرتبطة بالوصول إلى معلومات سرية.
اتصالات مع الأمن الفدرالي الروسي
وانتهت أجهزة الاستخبارات الإسبانية ونظيرتها في “الناتو” إلى اعتبار ملف وايت مصدرا محتملا لـ”الخطر”، دون أن تتمكن من إثبات قيامها بأعمال تجسس لحساب موسكو، ومن بين العناصر التي أثارت الشبهات اعترافها بإجراء اتصالات مع شخص يُشتبه في ارتباطه بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، إلى جانب علاقات مهنية بأشخاص مرتبطين بسفارات أجنبية.
غير أن القضية تكتسب أبعادا أوسع، بالنظر إلى أنها ليست، وفق مصادر في وزارة الدفاع أوردتها الصحيفة الإسبانية، حالة معزولة، إذ تعاملت الاستخبارات العسكرية المضادة خلال السنوات الأخيرة مع ثلاث حالات أخرى مماثلة، خسر فيها ضباط، بعضهم من رتب عليا، مناصب دولية أو سُحبت منهم تصاريح الولوج إلى المعلومات السرية، بسبب علاقاتهم بمواطنات من دول تُصنف ضمن البلدان النشطة في مجال التجسس.
وإحدى هذه القضايا التي خرجت بالفعل إلى العلن تتعلق مباشرة بالبحرية الإسبانية، بعدما سحب المركز الوطني للاستخبارات (CNI) التصريح الأمني من رقيب متخصص في الحرب الإلكترونية كان يعمل على متن الغواصة S-71 “Galerna”، وهو منصب بالغ الحساسية أتاح له الاطلاع على معلومات مصنفة بدرجة “سري”، إلى جانب وثائق مصنفة بدرجتي “سري لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)” و”سري لدى الاتحاد الأوروبي”.
وانطلقت حالة التأهب خلال مراجعة أمنية أجراها المكتب الوطني للأمن، بعدما تبين أن العسكري أخفى زواجه من مواطنة روسية، إلى جانب حصوله على الجنسية الروسية دون إبلاغ الجهات المختصة بذلك، ولم يتوقف الملف عند هذه الروابط الشخصية، إذ وضع الـCNI أيضا تحت المجهر حضور العسكري على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث كان يكشف بشكل واضح انتماءه إلى القوات المسلحة الإسبانية.
وخلصت الاستخبارات الإسبانية إلى أن اجتماع هذه العناصر قد يجعل الرقيب هدفًا محتملًا لأجهزة الاستخبارات الروسية، بهدف استقطابه كمصدر للمعلومات، لا سيما بالنظر إلى تخصصه في مجال الحرب الإلكترونية ومعرفته بقدرات وحدته وتجهيزاتها وإجراءات عملها.
وانتهى الملف بتداعيات مباشرة على المسار المهني للعسكري، بعدما قررت مديرة المركز الوطني للاستخبارات، إسبيرانسا كاستيلييرو، في فبراير 2025، سحب تصاريحه الأمنية من درجات “سري” و”سري لدى حلف شمال الأطلسي” و”سري لدى الاتحاد الأوروبي” و”سري لدى وكالة الفضاء الأوروبية”.
ولجأ الرقيب إلى القضاء للطعن في القرار، غير أن المحكمة المركزية للمنازعات الإدارية رقم 4، ثم المحكمة الوطنية، رفضتا طعونه، قبل أن يقرر مواصلة المسار القضائي أمام المحكمة العليا.
وتعيد هذه الوقائع المتتالية تسليط الضوء على مواطن الضعف التي تواجهها منظومة الاستخبارات الإسبانية، والتي باتت أجهزتها نفسها ترصدها داخل بنيات عسكرية وأمنية تملك حق الوصول إلى مستويات بالغة الحساسية من المعلومات الوطنية وتلك الخاصة بالحلفاء، في وقت يخضع فيه أداء أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية لتدقيق سياسي متزايد.
من نورثوود إلى سبتة.. أجهزة الأمن وسط معركة سياسية داخلية
ويكتسب هذا النقاش زخما أكبر بعد الأزمة الأخيرة في سبتة، التي أخرجت إلى العلن خلافات بين مكونات مختلفة من المنظومة الأمنية والاستخباراتية الإسبانية، على خلفية توالي التقارير والتحذيرات والروايات المتعارضة بشأن المعطيات التي كانت متاحة قبل الأحداث، والجهات التي توصلت بها، وكيفية انتقالها داخل مؤسسات الدولة.
ورصدت هذه التناقضات في معطيات صادرة عن الشرطة الوطنية والحرس المدني والمركز الوطني للاستخبارات والاستخبارات العسكرية، إلى جانب الاختلافات التي ظهرت في تصريحات المسؤولين السياسيين بشأن طبيعة الإنذارات السابقة للأزمة
ولم تبق تلك الخلافات محصورة في الاختلاف حول التقدير الأمني للأحداث، بل كشفت عن أزمة ثقة وتنسيق داخلية، بعدما وجد مسؤولون وأجهزة مختلفة أنفسهم أمام مهمة تحديد نطاق مسؤولياتهم وإبعاد تبعات ما وقع عن مؤسساتهم.
وهكذا انتقلت القضية تدريجيا من المجال الأمني والاستخباراتي إلى قلب الصراع السياسي، حيث تحولت التقارير والتحذيرات الأمنية إلى عناصر تستند إليها الأطراف المتواجهة لتعزيز رواياتها والطعن في روايات خصومها.
وأفضى ذلك إلى مشهد تتداخل فيه الانقسامات المؤسساتية مع حالة الاستقطاب السياسي الإسباني، وسط تبادل للاتهامات بين الحكومة والمعارضة بشأن تجاهل التحذيرات أو إخفاء المعلومات أو توظيف أجهزة الدولة في الصراع السياسي، وأصبحت التناقضات التي ظهرت بين المؤسسات نفسها تغذي، بدورها، التساؤلات بشأن مستوى التنسيق والثقة وتبادل المعلومات بين الأجهزة المفترض أن تعمل ضمن منظومة أمنية واحدة.
ويضيف ملف نورثوود، من هذا المنظور، عنصرا جديدا إلى نقاش أوسع يتجاوز قضية ضابط بعينه، ليصل إلى مسارات تداول المعلومات السرية، وآليات الرقابة الداخلية، وقدرة البنيات الأمنية والاستخباراتية الإسبانية على استباق المخاطر والتعامل معها.
بيغاسوس.. الوجه الآخر لمعركة التجسس في إسبانيا
وتزداد الصورة تعقيدا عند استحضار ملف برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”، الذي ظل المغرب حاضرا في جزء واسع من النقاش السياسي والإعلامي الإسباني بشأنه، منذ الكشف عن اختراق هواتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ومسؤولين آخرين.
ورغم توجيه الشبهات إلى الرباط في جانب من ذلك النقاش، لم تُثبت التحقيقات القضائية المعروفة إلى اليوم أن المغرب يقف وراء اختراق هواتف أعضاء الحكومة الإسبانية، كما لم يحول تقرير لجنة “PEGA” التابعة للبرلمان الأوروبي هذه الفرضية إلى واقعة مثبتة.
وفي المقابل، انتقل استعمال “بيغاسوس” من طرف أجهزة الاستخبارات الإسبانية نفسها من دائرة الأسرار إلى الوثائق الرسمية والمساطر القضائية، بعدما أقر باستخدام البرنامج لاعتراض هواتف مسؤولين سياسيين إسبان مرتبطين بالحركة الانفصالية في كتالونيا، ضمن عمليات حصلت على إذن قضائي.
ومن أبرز تلك الحالات رئيس حكومة كتالونيا السابق بيري أراغونيس، الذي خضع للمراقبة بإذن قضائي، قبل أن ترفع الحكومة الإسبانية السرية جزئيا عن الوثائق المتعلقة بملفه بطلب من القضاء.
وفي يوليوز 2026، أقرت الحكومة الإسبانية أيضا بأن الـCNI اعترض اتصالات النائبين السابقين عن حزب “CUP”، دافيد فيرنانديث وكارليس رييرا، بإذن قضائي، وفي حالة فيرنانديث تحديدا، أضاف الكشف معطى لافتا، إذ لم يكن اسمه مدرجا ضمن الأشخاص الـ18 الذين كان المركز الوطني للاستخبارات قد أقر أمام البرلمان سنة 2022 بمراقبتهم.
وهنا يبرز أحد أكثر جوانب قضية “بيغاسوس” حساسية بالنسبة إلى إسبانيا: ففي الوقت الذي ظلت فيه مسؤولية المغرب عن التجسس على أعضاء الحكومة الإسبانية في دائرة الاشتباه دون إسناد علني حاسم، أصبح استخدام أجهزة الاستخبارات الإسبانية للبرنامج ضد مسؤولين وسياسيين داخل البلاد جزءا من وثائق رسمية وإجراءات قضائية.
ومع رفع السرية تدريجيا عن بعض هذه الملفات، اتضح أن دائرة الأشخاص الذين خضعوا للمراقبة والمعطيات المرتبطة بتلك العمليات كانت أوسع مما ظهر للرأي العام في البداية.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح في إسبانيا مقتصرا على من تجسس عليها، وما الذي تكشفه عمليات الاختراق عن نقاط ضعف منظومتها الاستخباراتية، وإنما امتد أيضا إلى الداخل: من راقبته إسبانيا؟ وبأي معايير؟ ولأي مدة؟ وإلى أي مدى وصل استخدام المركز الوطني للاستخبارات لبرنامج “بيغاسوس”؟.
وبين قضية نورثوود، والاختلالات والتناقضات التي كشفتها أزمة سبتة، والملفات التي أخرجها “بيغاسوس” تباعا من دائرة السرية، تجد أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية نفسها أمام نقاش لم يعد يتعلق فقط بالتهديدات القادمة من الخارج، وإنما أيضا بمدى تماسك بنيتها الداخلية، وفعالية آليات التنسيق والرقابة، وقدرتها على حماية المعلومات الأكثر حساسية داخل الدولة وتحالفاتها الدولية.
المصدر: الصحيفة





