د. فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري
حين اهتزت دول عربية بعد عام 2011، فُتحت الخزائن، وتحركت الودائع، ووصل النفط، وأُعلنت حزم المساعدات بالمليارات. كان الشعار يومها واضحاً: حماية الدولة، منع الانهيار، ودعم الاستقرار. وهذا مفهوم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كان استقرار دولة لم تُدمّر مدنها ولم يُهجّر نصف شعبها يستحق عشرات المليارات، فماذا تستحق سوريا؟ ماذا تستحق دولة خرجت من أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحرب والقتل والاعتقال والتهجير والدمار الاقتصادي والاجتماعي؟
سوريا لا تطلب من العرب مكافأة على ثورتها، ولا صدقة على شعبها. إنها تحتاج إلى مشروع عربي حقيقي لإعادة بناء دولة عربية محورية دُمّرت على مدى سنوات، ودفع شعبها ثمناً يكاد يستحيل اختزاله في أرقام. ولمن يريد لغة الأرقام لا العواطف، فليقرأ تقديرات البنك الدولي. الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمساكن والمنشآت السورية قُدرت بنحو 108 مليارات دولار، أما كلفة إعادة الإعمار فتُقدّر بنحو 216 مليار دولار، وقد تصل وفق نطاق التقديرات إلى 345 مليار دولار. ويقول البنك الدولي إن ما يقارب ثلث رصيد رأس المال المادي الذي كانت تملكه سوريا قبل الحرب قد تضرر. هذه ليست دولة تحتاج إلى قافلة مساعدات وصور تذكارية. هذه دولة تحتاج إلى مشروع إنقاذ عربي بحجم مشروع مارشال.
والأشد إيلاماً أن السوريين، بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأوا يعودون إلى بلد لا تزال أجزاء واسعة من بنيته التحتية ومساكنه وخدماته الأساسية مدمرة أو منهكة. ولا يزال ملايين السوريين نازحين داخل بلادهم أو لاجئين خارجها، فيما يحتاج ملايين آخرون إلى المساعدات الإنسانية. فأين العرب؟
نعم، يجب أن نكون منصفين. بعض الدول الخليجية الكريمة قدمت مساعدات مشكورة لسوريا. وهناك استثمارات واتفاقيات عربية قادمة. هذه خطوات يجب الاعتراف بها وشكر أصحابها عليها جزيل الشكر. لكن حين تكون فاتورة إعادة الإعمار المقدرة بمئات المليارات، وحين تكون ملايين العائلات بين نازح وعائد ولاجئ، وحين تكون الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات والمساكن وفرص العمل كلها جزءاً من معركة إعادة الحياة، فلا يكفي أن تتحرك الدول العربية بمبادرات متفرقة مهما كانت مشكورة.
المطلوب ليس مساعدة سوريا على البقاء بالكاد. المطلوب مساعدتها على النهوض. وهنا تحديداً يبدو التفاوت صارخاً. لقد أثبت التاريخ العربي الحديث أن المال يمكن أن يظهر بسرعة مذهلة عندما يُنظر إلى أزمة ما باعتبارها تهديداً استراتيجياً. الودائع بالمليارات يمكن ترتيبها، والمشتقات النفطية يمكن توفيرها، والاستثمارات يمكن إطلاقها، والمؤسسات المالية يمكن تحريكها عندما يوجد قرار سياسي. فلماذا لا تصبح إعادة إعمار سوريا أولوية عربية كبرى؟ بل إن السؤال ينبغي أن يكون أكثر صراحة: إذا لم تكن سوريا اليوم استثماراً في الأمن القومي العربي، فما هو الأمن القومي العربي؟
بلد في قلب المشرق العربي، خرج من نظام ارتبط لعقود بمحور إقليمي تقوده إيران، ودُمرت مدنه واقتصاده، وتشتت الملايين من أبنائه في العالم. إعادة بنائه ليست خدمة للسوريين وحدهم. إنها فرصة لإعادة سوريا إلى محيطها العربي، وإعادة ملايين السوريين إلى بيوتهم، وتقليص أسباب التطرف والهجرة والفقر والفوضى، وخلق سوق اقتصادية كبيرة في قلب المنطقة.
إن دعم سوريا ليس فاتورة خيرية. إنه استثمار سياسي وأمني واقتصادي عربي. ومن الغريب أن نفهم بسهولة لماذا تنفق الدول مليارات لحماية الاستقرار، ثم نتردد في إنفاق المليارات نفسها لصناعة الاستقرار في بلد خرج للتو من واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ المنطقة الحديث.
ولا نطالب بأن تُلقى الأموال في خزائن دمشق بلا حساب، فهذا سيكون خطأ آخر. سوريا الجديدة مطالبة هي أيضا بالشفافية، وسيادة القانون، وبناء مؤسسات محترفة، وحماية المال العام، وطمأنة المستثمرين، وضمان حقوق السوريين جميعاً. والدعم العربي يجب أن يكون منظماً ومراقباً ومربوطاً بمشروعات واضحة يمكن قياس نتائجها، لا بشيكات سياسية مفتوحة. لكن اشتراط الحوكمة شيء، وترك سوريا تواجه وحدها جبلاً من الدمار شيء آخر.
المطلوب صندوق عربي لإعمار سوريا بعشرات المليارات، تشارك فيه الدول العربية القادرة، ويوجه مباشرة إلى الكهرباء والمياه والإسكان والمدارس والمستشفيات والطرق والصناعة والزراعة. المطلوب ضمانات للاستثمار، وقروض طويلة الأجل، وإعفاءات، وربط اقتصادي، وتمويل للمشروعات الصغيرة، وبرنامج ضخم لإعادة مساكن النازحين واللاجئين.
المطلوب أن يشعر السوري الذي يفكر بالعودة من تركيا أو الأردن أو لبنان أو أوروبا أن هناك بيتاً يمكن إصلاحه، ومدرسة يستطيع إرسال أطفاله إليها، وكهرباء تصل إلى منزله، ومستشفى يعالجه، وعملا يستطيع أن يعيش منه. هذا هو معنى إعادة الإعمار. أما أن نصفق لسقوط نظام الأسد، ونحتفل بخروج سوريا من الحقبة السابقة، ثم نترك السوريين أمام الأنقاض، فهذه ليست سياسة عربية تليق بحجم اللحظة.
السوريون دفعوا الثمن من دمائهم وأعمارهم وبيوتهم ومستقبل أطفالهم. عاشوا القصف والحصار والسجون والنزوح واللجوء، ثم وصلوا بعد كل ذلك إلى لحظة تاريخية فتحت أمامهم بابا لبناء بلد جديد. لا يستطيع أحد أن يعيد إليهم من مات، ولا سنوات السجون، ولا طفولة من وُلد وكبر في مخيم، ولا البيوت التي تحولت إلى ركام. لكن العرب يستطيعون أن يقولوا لهم شيئاً واحداً بالأفعال لا بالخطب: لن نترككم تعيدون بناء سوريا وحدكم.
السؤال ليس هل تستطيع الدول العربية مساعدة سوريا. نحن نعرف أنها تستطيع. السؤال الحقيقي هو: لماذا لم يتحول إنقاذ سوريا وإعمارها حتى الآن إلى مشروع عربي بحجم الكارثة وبحجم الفرصة؟ سوريا لا تحتاج مؤتمراً آخر تنتهي كلماته بانتهاء البث التلفزيوني. تحتاج كهرباء وماء وبيوتاً ومدارس ومصانع وطرقاً ومستشفيات وفرص عمل ووقوداً طبعاً؟ ألم يصبح ليتر المازوت والبنزين حلماً بعيد المنال بالنسبة لملايين السوريين على ضوء ارتفاع أسعار النفط والمظاهرات التي شهدتها البلاد قبل أيام احتجاجاً على ذلك؟
تحتاج سوريا عشرات المليارات من الدولارات، لا عشرات البيانات. وتحتاج قبل المال قراراً عربياً يقول بوضوح: هذه سوريا، وهذا خرابها، وهؤلاء أهلها، وإعادة بنائها مسؤولية عربية لا يجوز الهروب منها. فإذا كانت المليارات تُدفع من أجل الاستقرار، فأين هي من بلد يحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى؟ وإذا كانت المليارات تُدفع لحماية الدول من السقوط، فأين هي من دولة قامت من تحت الركام، خاصة وأن أمريكا داعمة لسوريا الجديدة؟
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





