تركيا “تضم” أجزاء من المغرب إلى نفوذ الدولة العثمانية في تحديث لمقرراتها الدراسية.. وخبير: الخرائط وهمية والمراجع التاريخية تؤكد ذلك
كشفت السلطات التعليمية التركية عن تحديث شامل للخرائط التي سيتم اعتمادها في الكتب المدرسية والأدوات التعليمية خلال الموسم الدراسي الحالي، في إطار تعاون مع الإدارة العامة للخرائط التابعة لوزارة الدفاع التركية، وهي الخطوة التي من شأنها إثارة جدل سياسي ودبلوماسي بعد ضم أجزاء من المغرب، تشم مدنا كبرى مثل فاس وطنجة وتطوان، إلى نفوذ الإمبراطورية العثمانية.
وتقول أنقرة إن هذه الخطوة تهدف إلى توحيد المرجعيات الخرائطية وتقديم معلومات دقيقة ومتكاملة للطلاب، غير أن بعض مضامين هذه الخرائط تفتح من جديد النقاش حول الطريقة التي يتم بها تمثيل مجال النفوذ العثماني تاريخيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمغرب الأقصى، أي المملكة المغربية حاليا، المنطقة التي لم تخضع في أي مرحلة من تاريخه للدولة العثمانية.
وأعلنت رئاسة مجلس التعليم والتربية التركية أن الخرائط الجديدة أُعدت وفق المبادئ والقواعد الأساسية لعلم الخرائط، وأن بعضها خضع للتحديث، بينما جرى دمج وإعادة إعداد خرائط أخرى بما يتلاءم مع الاحتياجات التعليمية الجديدة، كما أوضحت أن هذه الخرائط تتناول، على الخصوص، الموقع الجيوسياسي للامبراطورية العثمانية والتطورات التاريخية والمجالات المرتبطة بها، وأنها ستعتمد في الكتب المدرسية والأدوات التعليمية التي ستتم طباعتها وتوزيعها خلال الموسم الدراسي الحالي 2026-2027.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بخرائط تصور نطاق النفوذ العثماني في شمال إفريقيا، لأن التاريخ السياسي للمنطقة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر يميز بوضوح بين المجال الذي خضع فعليا للدولة العثمانية، ولا سيما الجزائر وتونس ومناطق أخرى، وبين المغرب الأقصى الذي حافظ على كيانه السياسي المستقل، رغم تعرضه لمحاولات عسكرية وضغوط سياسية عثمانية متكررة.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي أحمد إيشرخان، الأستاذ الجامعي ورئيس شعبة التاريخ بالكلية متعددة التخصصات بتازة، التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، في تصريح لـ”الصحيفة”، أن الخرائط التي تُظهر نفوذا عثمانيا يمتد إلى الأراضي المغربية تطرح إشكالا تاريخيا، موضحا أن “الخرائط وهمية” إذا كان المقصود منها تصوير المغرب باعتباره مجالا خاضعا للدولة العثمانية، مشددا على أن الأتراك لم يصلوا بتاتا إلى المغرب بالمعنى الذي يجعل المملكة جزءا من الدولة العثمانية، وإن كانت المنطقة قد شهدت محاولات عثمانية متعددة للضغط على السعديين.
ويستند هذا التمييز إلى وقائع تاريخية موثقة، حيث كانت العلاقة بين الدولة العثمانية والمغرب خلال القرن السادس عشر، علاقة بين قوتين سياسيتين مستقلتين دخلتا في منافسة مباشرة على النفوذ في المغرب الأوسط والمناطق الحدودية، حيث توضح الموسوعة الإسلامية التركية أن السلطان السعدي محمد الشيخ توجه سنة 1550 نحو تلمسان، التي كانت آنذاك ضمن المجال العثماني، وتمكن من السيطرة عليها مؤقتا، قبل أن تستعيدها القوات العثمانية سنة 1552، وهو التطور الذي دفع السلطان العثماني سليمان القانوني إلى إرسال مبعوث إلى محمد الشيخ في السنة نفسها.
وتتطابق هذه المعطيات مع ما أورده إيشرخان في حديثه لـ”الصحيفة” بشأن البعثات التي جرت في تلك المرحلة، إذ أشار إلى أن قضية الحدود كانت حاضرة بقوة في المراسلات والاتصالات بين الطرفين، مستحضرا محاولات الدولة العثمانية التوصل إلى صيغة تحدد المجال الفاصل بينها وبين الدولة السعدية، وهو ما يعكس، في حد ذاته، حقيقة سياسية أساسية متمثلة في وجود حدود ومفاوضات بين قوتين مستقلتين.
وتشير الدراسات الأكاديمية التاريخية في هذا الاطار، إلى محمد بن علي الخروبي الجزائري مبعوث العثمانيين إلى محمد الشيخ السعدي والذي لم يكن مجرد مبعوث عابر، وإنما كان عالما وفقيها له صلات بالمغرب وعلمائه، وهو ما جعل اختياره لمهمات دبلوماسية إلى المغرب جزءا من سياسة الباب العالي في التعامل مع السلطان السعدي.
وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن إحدى مهمتي الخروبي ارتبطت بعقد هدنة بين الجزائر والمغرب الأقصى وتعيين الحدود بين الطرفين، كما أن حضور الخروبي في المصادر التاريخية المغربية الرسمية، يعكس وجود اتصالات علمية ودبلوماسية بين الطرفين خلال تلك المرحلة، ويضيف بعداً آخر إلى شبكة العلاقات التي كانت تجمع المغرب بالمجال العثماني في شمال إفريقيا.
بل إن دراسة أكاديمية حول العلاقات المغربية التركية في النصف الثاني من القرن السادس عشر تؤكد أن الدولة العثمانية كانت تعتبر المغرب المجال الوحيد في شمال إفريقيا الذي لم يدخل تحت سلطتها، وأن الصراع بين الطرفين استمر في سياق محاولات عثمانية للحد من قوة السعديين، في مقابل تمسك هؤلاء باستقلال قرارهم السياسي، كما تشير الدراسة إلى أن القوة العثمانية كانت متقدمة في الجزائر، بينما كان المجال المغربي تحت حكم السعديين.
ويذهب إيشرخان إلى أبعد من ذلك في توصيف السياق التاريخي، إذ يقول في تصريحه لـ”الصحيفة” إن محاولات الدولة العثمانية للتوسع باتجاه المغرب تكررت في عهد عدد من السلاطين السعديين، مستحضرا عبد الله الغالب والمأمون وأحمد المنصور الذهبي، قبل أن تستمر إشكالية العلاقة مع الدولة العثمانية خلال العهد العلوي، ويشير إلى أن هذه المرحلة عرفت حروبا ومواجهات ومراسلات دبلوماسية بين سلاطين المغرب والخلفاء العثمانيين، بما يؤكد أن العلاقة كانت علاقة دول وقوى سياسية تتفاوض وتتصارع حول الحدود والنفوذ، وليست علاقة إدارة عثمانية لمجال مغربي.
ويقول إيشرخان إن الوثائق والمراسلات تتحدث عن “الإيالة التركية” في مقابل “الإيالة الشريفة”، وهي تسمية ذات دلالة في فهم طبيعة النظام السياسي والجغرافي الذي كان قائما في المنطقة، وتكشف عن وجود مجالين سياسيين منفصلين، حتى في ظل الصراعات والتدخلات العسكرية المتبادلة.
المصدر: الصحيفة





