بقلم/ التجاني بولعوالي
لم أعرف أن المغرب مقبل على الانتخابات التشريعية؛ ليس لأنني نسيت هذا الموعد، بل لأنني، ببساطة، لم أعد أهتم كثيرا بمثل هذه الأحداث السياسية كما كنت أفعل في الماضي. كنت أتابع الانتخابات بشغف منذ طفولتي، قبل أن أغادر المغرب إلى أوروبا في أواخر تسعينيات القرن الماضي، واستمر اهتمامي بها لسنوات طويلة بعد الهجرة. كنت أتابع الحملات، والخطابات، والنتائج، وأحاول أن أفهم إلى أين يتجه الوطن، ومن سيحمل مشعل التغيير.
أما اليوم، فقد تغير شيء ما في داخلي. لماذا؟!
لأنني، بعد أكثر من عقدين، أصبحت أشعر بأن المسافة بين الوعود والواقع ما تزال واسعة، وأن كثيرا من الآمال التي رافقت التحولات السياسية والدستورية لم تجد طريقها الكامل إلى حياة المواطن اليومية.
بعد دستور 2011، الذي جاء في سياق الربيع العربي والحراك المغربي، كان هناك أمل واسع في أن يشكل الإصلاح الدستوري والسياسي مرحلة جديدة في مسار البلاد. وقد حدثت بالفعل تحولات ومؤسسات وإصلاحات، ولا يمكن إنكارها. لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو: إلى أي حد انعكست هذه التحولات على حياة المواطن العادي والطبقات المعدومة والهشة؟
إن المواطن لا يقيس نجاح الإصلاحات بعدد النصوص القانونية ولا بعدد الخطب والبرامج الانتخابية، وإنما بما يراه في المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والمستشفى الذي يقصده، والإدارة التي يتعامل معها، والحي الذي يسكن فيه، وفرص العمل المتاحة أمام شبابه، ومدى شعوره بالكرامة والعدل والأمان الاجتماعي.
قد يقول قائل: مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وقد تغير كثيرا!
وهذا صحيح إلى حد ما. فالمغرب تطورت بنيته التحتية، وتوسعت مدنه، وتحققت فيه مشاريع كبرى، وبرزت إنجازات في مجالات متعددة. لكن التنمية لا تُقاس فقط بما يلمع في واجهة المدن الكبرى، وإنما أيضا بما يصل إلى القرى والمناطق الهشة والمغرب العميق.
فما قيمة الطريق إذا ظل المستشفى بعيدا أو مقفل الأبواب؟ وما قيمة المشاريع الكبرى إذا ظل التعليم يعاني؟ وما معنى النمو إذا لم يشعر به من يعيش على هامش المدن وفي البوادي والأرياف؟
هذه في الحقيقة ليست أسئلة عدائية، كما قد يتأولها البعض، ولا هي إنكار لما تحقق، وإنما هي أسئلة مواطن يريد أن يرى بلده أفضل.
وتقدم المؤشرات الدولية صورة مركبة عن المغرب؛ فهناك مجالات على قلتها شهدت بعض التحسن، إلى جانب استمرار تحديات كبيرة في الحقوق السياسية والحريات المدنية والإعلام وغيرها. فعلى سبيل المثال، تصنف منظمة Freedom House المغرب في تقريرها لعام 2026 ضمن فئة “حر جزئيا”، مع استمرار قيود على عدد من الحريات المدنية والسياسية. كما تشير تقارير حديثة إلى استمرار النقاش حول استقلالية الإعلام والفضاء العام وحرية التعبير، دون أن نغض الطرف عن تأخر عارم في مستوى التعليم والخدمات الصحية والإدارية وجودة الحياة.
لكن ما يشغلني حقا أكثر من الأرقام والتصنيفات هو المسافة السحيقة بين الصورة التي تقدمها الخطابات السياسية وبين التجربة اليومية للمواطن.
المغرب بلد ساحر، بطبيعته الخلابة، وتنوعه الثقافي، وتاريخه العريق، وتراثه الغني، وشعبه المضياف. وأنا، مثل كثير من أبناء جلدتي المغاربة، أفتخر بهذا كله. وأؤمن أن هذا البلد يمتلك من الإمكانات البشرية والطبيعية والثقافية والموقع الجغرافي ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الدول الصاعدة.
لكن يبدو أحيانا أن رحلة الألف ميل التي بدأها المغرب قد تعثرت في خطواتها الأولى أو لنقل في منتصف الطريق.
والسؤال ليس: لماذا لا توجد إنجازات؟ بل السؤال الأهم: لماذا لا تتحول الإمكانات الهائلة إلى تغيير أعمق وأكثر عدلا في حياة الناس؟
لقد عهدت أو عهدنا أن تعود الانتخابات على رأس كل خمس سنوات، لكن دون أن يتغير تقريبا شيء! وربما كان هذا هو السبب الذي جعلني لا أنتبه إلى أن العد التنازلي للانتخابات التشريعية قد بدأ، وأن المغاربة يستعدون للتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 سبتمبر 2026.
والذي نبهني في الأخير إلى ذلك الحدث لم يكن نشرة إخبارية، ولا خطابا سياسيا، ولا برنامجا انتخابيا، وإنما سيل المنشورات التي بدأت تغمر الفضاء الأزرق وشبكات التواصل الاجتماعي.
وهذه، في حد ذاتها، مفارقة تستحق التأمل. فوسائل التواصل الاجتماعي التي أغرقتنا بالتفاهة والنفاق والصراخ، والتي حولت النقاش العام إلى سوق للفوضى اللفظية، أصبحت في الوقت نفسه نافذة نطل منها على ما يحدث في بلد لم نعد نعيش فيه يوميا.
لقد تغير في الحقيقة الزمن كثيرا، حيث كان المغاربة يجتمعون حول مائدة العشاء لمشاهدة نشرة الأخبار، ومعرفة حالة الطقس، وانتظار مسلسل أسبوعي لمعرفة مصير البطل والتعاطف مع شخصياته الخيرة وتمني نهاية مأساوية لشخصيات أخرى شريرة.
أما اليوم، فقد أصبح الهاتف هو نشرة الأخبار، والمقهى هو استوديو التحليل السياسي، ومنشور فيسبوك قد يصبح في لحظات حديث الشارع.
لكن ما استوقفني أكثر من الانتخابات نفسها هو مستوى الخطاب الذي يرافقها على شبكات التواصل الاجتماعي. فبدل أن تكون الحملة الانتخابية مناسبة لعرض البرامج والأفكار والحلول، تتحول بعض مظاهرها إلى صراع شخصي، وتبادل للاتهامات، وسخرية، وتشهير، واستعراض، ومنافسة في جذب الانتباه بأي ثمن.
وهنا لا تعود المشكلة مشكلة حزب واحد أو مرشح واحد. إنها مرآة للمجتمع نفسه. فحين ينحدر الخطاب السياسي، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا حدث للسياسيين؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا حدث لنا نحن؟ كيف أصبحنا نتعامل مع الاختلاف؟ كيف نناقش من يخالفنا؟ كيف نختار من يمثلنا؟ وهل المشكلة فعلا في السياسي وحده، أم أن السياسي في النهاية جزء من البيئة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية التي أنتجته؟
لذلك، لا أعتقد أن الانتخابات وحدها قادرة على حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي تواجه المغرب. إن الانتخابات مهمة، والتمثيل السياسي مهم، والمشاركة المدنية مهمة، لكن تغيير الواقع يحتاج إلى أكثر من ورقة توضع في صندوق. إنه يحتاج إلى مؤسسات قوية، وتعليم جيد، وإدارة فعالة، وعدالة اجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وثقافة سياسية ناضجة، وإعلام مهني، ومواطن قادر على ممارسة حقه في الاختلاف دون خوف أو كراهية.
ولهذا فإنني لا أكتب هذه السطور للدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، ولا للدعوة إلى التصويت لصالح حزب أو ضد حزب.
أنا أكتب لأنني قلق!
قلق من أن تتحول الانتخابات إلى طقس دوري يتغير فيه الأشخاص وتبقى الأسئلة الكبرى معلقة.
وقلق من أن يصبح المواطن أكثر اهتماما بالشخص الذي يصرخ في مقطع فيديو من اهتمامه بالبرنامج الذي يقدمه.
وقلق من أن تصبح المنافسة السياسية مسابقة في صناعة الصور والشعارات بدل أن تكون منافسة في تقديم الحلول.
وقلق، قبل كل شيء، من أن نفقد القدرة على تشخيص المرض قبل البحث عن الدواء.
ربما نحتاج، قبل كل انتخابات، إلى وقفة صادقة مع أنفسنا، بعيدًا عن الشعارات والحسابات الانتخابية، وأن نطرح على أنفسنا أسئلة أساسية: أين أخطأنا؟ ماذا تحقق فعلًا خلال السنوات الماضية، وماذا بقي مجرد وعود لم تجد طريقها إلى الواقع؟ من يتحمل مسؤولية الإخفاقات؟ وما الذي يمكن إصلاحه من خلال إجراءات وتدابير عملية، وما الذي يحتاج إلى تغيير أعمق وجذري؟ فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، وإنما يبدأ أولا من شجاعة الاعتراف بالاختلالات وتشخيصها بموضوعية، ثم البحث الجاد عن سبل معالجتها.
وهذا يعني أن الأوطان لا تتقدم بإنكار اختلالاتها، كما أنها لا تتقدم بالجلد المستمر للذات. إن التشخيص الصادق ليس تشاؤما، والنقد ليس خيانة، والاعتراف بالمشكلات ليس إساءة إلى الوطن. على العكس من ذلك، ربما قد يكون أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نرفض رؤية المرض لأننا نحب المريض.
أنا أحب وطني الأصلي المغرب، وأفتخر بانتمائي إليه، وأعتز بتاريخه وثقافته وشعبه، وأتمنى أن أراه في المكانة التي يستحقها. ولهذا بالضبط أكتب هذه الكلمات. لا لأنني فقدت الأمل في المغرب، وإنما لأنني لا أريد أن أفقد الأمل في قدرته على أن يكون أفضل. ربما تكون الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد موعد سياسي جديد. قد تكون مناسبة لنسأل أنفسنا جميعا، سياسيين ومواطنين ومثقفين وإعلاميين:
هل نريد فقط تغيير الوجوه، أم نريد تغييرا حقيقيا في طريقة إدارة البلاد؟
فقد تتغير الحكومات، وتتبدل الأحزاب، وتتغير الشعارات… لكن إذا لم تتغير طريقة التفكير، وثقافة المسؤولية، وأخلاقيات المنافسة، وعلاقة المواطن بالمؤسسة، فإن دار لقمان ستظل على حالها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه قبل 23 سبتمبر: هل نذهب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثلين جدد، أم نذهب ونحن نبحث عن مغرب جديد؟





