جيل البودكاست في مواجهة مرآة الحقيقة: هل يساهم حمزة الفاضل في بناء صحافة المستقبل أم صناعة الانتباه وصدى للشاشات ؟
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
لم أكن أبحث عن حمزة الفاضل حين وجدت نفسي أتابع حلقات برنامج بصيغة أخرى ولم يكن في مخيلتي أن أخط حرفاً واحداً عنه إذ كنت كأي صحفي يراقب المشهد من خلف زجاج التجربة أتابع وأقارن وأحاول فك شفرات هذا التحول العاصف الذي يقوده جيل جديد قرر بلا استئذان أن يهدم الجدران الإسمنتية التي طالما فصلت بين الجمهور وصانع الخطاب. لكن حمزة الفاضل استوقفني ليس بوصفه ظاهرة عابرة تفرضها خوارزميات المنصات الرقمية ولا لأنه يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة بل لأنه يجسد بوضوح ذلك المخاض العسير الذي يعيشه الإعلام المغربي اليوم مخاض لا يمكن اختزاله في بهرجة الاستوديوهات الافتراضية أو أرقام المشاهدات الفلكية.
لقد تحرر الإعلام من برجه العاجي ولم يعد الشاب الطموح ينتظر موافقة رئيس تحرير متجهم ولا بطاقة اعتماد من مؤسسة تقليدية تمنحه حق الكلام فكاميرا صغيرة وزاوية إضاءة ذكية ومنصة رقمية تكفي لتصنع منبراً يصل إلى الملايين في ثوانٍ معدودة وفي هذه النقطة بالتحديد تكمن قوة تجربة حمزة الفاضل كما تكمن فيها أخطر نقاط ضعفها. ففي بصيغة أخرى لفتت انتباهي خصلة نادراً ما تجدها حتى لدى مخضرمي مهنة المتاعب المتمثلة في طريقة الاقتراب من الضيف حيث هناك عفوية محببة وإنصات حقيقي وعدم استعجال لملء كل فراغ صوتي بثرثرة لا مبرر لها ليترك السؤال يتنفس داخل رأس ضيفه وهي فضيلة صحفية كبرى تفتقدها قاعات التحرير التقليدية التي تحولت في أحيان كثيرة إلى خطوط إنتاج آلية للخبر.
ولكن ألا يطرح هذا النجاح السريع سؤالاً أكثر إزعاجاً حول إلى أين يريد حمزة أن يأخذ هذه التجربة فصناعة الجمهور أسهل بكثير من صناعة الثقة وصناعة المشاهدة اللحظية أهون أضعافاً مضاعفة من بناء مشروع صحفي رصين فقد تنجح الحلقة لأن الضيف ترند وقد يحصد الموضوع الأرقام لأنه يداعب العصبيات أو يثير الجدل لكن الإعلام الراسخ لا يقاس بما يجذب العين لثوانٍ معدودة بل بما يترسخ في عقل المتلقي بعد أن تطفأ الشاشات. إن الفاصل بين صانع المحتوى وصاحب المشروع الإعلامي دقيق وخطير فحمزة لا يحتاج أن يكون نسخة كربونية من إعلاميي الأمس وربما تكون ميزته الكبرى أنه يغرد خارج صالوناتهم التقليدية بيد أن امتلاك المنصة الرقمية لا يمنح صاحبه صك الغفران ولا يغنيه عن الصرامة التحريرية.
حين تغيب الصرامة التحريرية عن البرنامج يتحول الحوار من مساءلة فكرية إلى مجرد مساحة استعراضية مريحة والصحافة الحقيقية بطبيعتها لا تبحث عن الراحة بل إنها المهنة التي تقول للضيف بلطف ولكن بحزم من أين لك هذه المعلومة وهل تملك دليلاً يثبت ذلك وماذا لو كان الطرف الآخر يرى المشهد من زاوية نسفها طرحك تماماً. هذه الأسئلة هي الدرع الواقي الذي يمنع الحوار من الانزلاق نحو صناعة الانتباه الرخيص والمفارقة هنا أن الجمهور الرقمي ذكي ومتقلب ففي البداية تختار أنت المواضيع ثم يتدخل الجمهور ليوجهك لتجد نفسك تدريجياً تختار ما يضمن الأرقام لا ما تمليه عليك الضرورة المهنية والأخلاقية.
ولا يمكن فصل تجربة حمزة الفاضل عن السياق الأوسع لبروز جيل زد في المشهد العمومي المغربي فهذا الجيل لم يعد يقبل أن يُتحدث عنه بلسان الأوصياء ولا يرضى بأن يناقش قضاياه من سياسة وتعليم وشغل وهامش بصيغة الماضي المتآكل بل يريد أن يطرح أسئلته الكبرى بلغته وسرعته وبأدوات عصره الرقمية ولهذا السبب تحديداً لم يظهر حمزة من فراغ بل جاء ليملأ فراغاً هائلاً خلّفته أزمة الثقة المستحكمة بين المنابر التقليدية وقطاعات واسعة من الشباب. لقد أدرك حمزة مبكراً أن الجمهور قد تغيّر فتحسس نبضه بذكاء لكن فهم الجمهور هو الخطوة الأولى فقط أما الخطوة الأصعب فهي ماذا ستفعل بهذه المعرفة وهل سيكون بصيغة أخرى مجرد استعراض موسمي لشخصيات يطلبها الشارع أم سيتحول إلى مختبر حقيقي للتحقيق والبحث وطرح الأسئلة الصعبة التي لا يملك أحد إجابات جاهزة عنها.
أتمنى من الزميل حمزة الفاضل ومن خلال منصة بصيغة أخرى أن يوجه عدسته نحو فئة حيوية ومؤثرة غالباً ما تظل خارج دائرة الضوء وهم مغاربة العالم فهذه الكفاءات تعاني بصمت من التهميش والإقصاء وغياب التفعيل الحقيقي لمقتضيات دستور 2011 وتحديداً الفصلين 16 و17 اللذين كفلا لهم حقوق المشاركة السياسية والمواطنة الكاملة فضلاً عن العراقيل والمضايقات المتكررة التي تواجههم عند أبواب الإدارات المغربية استخلاصاً لوثائقهم الإدارية. إن الحديث عن هموم هؤلاء لا يقتصر على سرد المعاناة فحسب بل يمتد ليشمل المساءلة الجادة للمؤسسات التي ترفع شعار تمثيلهم وفقاً للفصل 163 لتكون المنصة صوتاً حقيقياً يكسر جدار العزلة ويسلط الضوء على قضايا مصيرية طال تجاهلها.
الاستقلالية الصحفية ليست مجرد شجاعة في مهاجمة المؤسسات الكبرى بل هي أقصى درجات الشجاعة في مواجهة الجمهور نفسه من خلال استضافة ضيف يخالف قناعات متابعيك تماماً وتقديم حلقة قد تغضب قاعدة مشاهديك لأنها ترفض الشعبوية وقول لا عندما يغريك تكرار الوصفة الناجحة. الصحفي الحقيقي ليس موظفاً لدى مزاج الجمهور ولا خصماً له بل هو بوصلة تحاول الإبحار وسط أمواج العواطف الرقمية المتلاطمة وحمزة بامتلاكه هذه الموهبة والقبول الجماهيري يقف اليوم على مفترق طرق حاسم إما أن يبقى صوتاً بارزاً في زحمة المؤثرين أو يخطو الخطوة الأكبر ليصبح مؤسساً لجيل جديد من الصحافة المغربية المستقلة. إن الأيام وحدها ستكشف إن كان بصيغة أخرى سيظل رقماً إضافياً في الذاكرة المؤقتة لليوتيوب أم أنه سييبقى علامة فارقة في تاريخ الإعلام الرقمي المغربي والمؤكد أن الرهان يستحق والنقد المبكر هو دليل قاطع على أن ما تحت القشرة أعمق بكثير مما تظهره العدسات.
وفي الختام تجدر الإشارة إلى أن هذا النقاش المفتوح مع تجربة حمزة الفاضل وبرنامج بصيغة أخرى لن يتوقف عند حدود السطور والتحليل بل يسعى لتجاوز المسافة نحو الاشتباك المباشر مع الأسئلة المطروحة ولهذا فإننا بصدد إعداد حوار حصري وقريب مع الزميل حمزة لنغوص أكثر في كواليس هذا المشروع ونناقش معه أفق الصحافة الرقمية وتحدياتها وكيف يمكن لجيل جديد من صناع المحتوى أن يتحولوا إلى ركيزة أساسية للإعلام المستقل والجاد.





