بين ثبات الأرض وتقلّب المواقف: حين نحتفي بما لا ينبغي أن نرتاب فيه ونرتاب فيما لا ينبغي أن يتغيّر..

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

أصبحنا ننتظر هذا البلد أو ذاك حتى يبدّل موقفه، المتذبذب والمتغيّر بحسب المصالح والظروف، ويعلن اعترافه بمغربية صحارينا الجنوبية، فنفرح ونصفّق ونقيم الأفراح، وكأننا أمام فتحٍ تاريخي جديد! وهذا لسان حالنا مع قضية صحارينا العادلة.

بل أحيانًا نذهب أبعد من ذلك: نصنع من كل اعترافٍ «حدثًا حضاريًا»، ونمنح صاحبه من المديح والثناء ما يكفي لتخليده في سجل أبطال القضية!

وهذا يذكّرني بشيء آخر: حين يعتنق أحدهم الإسلام، نُهلّل ونُكبّر ونصنع حوله هالةً حضاريةً وإعلاميةً، وكأن مجرد إعلان الإسلام يغنينا عن السؤال عن صدق الإيمان وثباته. والحال أن الإيمان قد يكون راسخًا، وقد يكون عابرًا، وقد يكون — لا قدر الله — مجرد إيمان مغشوش.

فما الذي يمنع أن تكون بعض الاعترافات الدبلوماسية كذلك؟ ما الذي يضمن أن الدولة التي اعترفت اليوم لن تعيد حساباتها غدًا، حين تتغير المصالح أو تتبدل موازين القوى؟ ألم نرَ دولًا تغيّر مواقفها، وتعيد صياغة مواقفها السابقة، عندما تقتضي مصالحها ذلك؟

المشكلة، إذن، ليست في الاحتفاء بالاعترافات؛ فهي مكاسب سياسية لا ينبغي الاستهانة بها. وإنما المشكلة في أن نمنحها قداسةً أكبر من حجمها، وأن نتصرف وكأن القضية أصبحت محسومة لمجرد أن عاصمةً ما أصدرت بيانًا.

فالدبلوماسية لا تعرف العواطف كثيرًا؛ إنها تعرف المصالح، وموازين القوى، وحسابات اللحظة. وما يُكتب بالحبر الدبلوماسي لا يعني أنه غير قابل للمحو؛ بل قد يُعاد النظر فيه بالحبر نفسه.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى التمييز بين ثبات القضية وتقلّب المواقف؛ إذ ليس من الحكمة أن نجعل حقيقة القضية رهينةً لمؤشر الاعترافات الدولية، فنفرح كلما ارتفع، ونضطرب كلما انخفض.

بل إن من السرديات التي أسهمت في إطالة أمد قضية الصحراء المغربية التلاعب بالمعايير وتبديل العبارات بحسب السياقات؛ فمرةً يجري ترديد لازمة: «حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف»،

ومرةً أخرى يُقدَّم مقترح الحكم الذاتي باعتباره «حلًا سياسيًا واقعيًا وعمليًا، وأساسًا أكثر مصداقية وجدية للتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة من جميع الأطراف».

وهنا لا تكمن المشكلة في اختلاف الصياغات في حد ذاته، بقدر ما تكمن في تحويل المعايير إلى متاهةٍ لغوية؛ فكلما بدا أن المسار قد اقترب من مخرج، أُعيد تعريف المخرج نفسه، وتحول الوضوح إلى مزيد من التأجيل، وأصبح «الحل» عنوانًا مفتوحًا على ما لا نهاية.

والسؤال الذي يغيب عن كل هذه السرديات: ماذا عن إرادة السكان؟

ثمّة سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكاد يغيب عن هذا السجال كله: هل سُئل سكان الصحراء أصلًا: هل يقبلون بالحكم الذاتي؟

فحين يُقدَّم الحكم الذاتي بوصفه «حلًا سياسيًا واقعيًا وعمليًا» و«أساسًا أكثر مصداقية وجدية» للتوصل إلى تسوية، يحق لنا أن نسأل قبل كل شيء: أين موقع إرادة المعنيين بالأمر في كل هذا؟

من يقرر أن الحكم الذاتي هو الصيغة التي يقبل بها السكان؟ ومن استطلع رأيهم؟ وبأي آلية؟ ومن يملك التفويض للحديث باسمهم جميعًا؟

فلا يكفي أن تتوافق العواصم، وأن تتقاطع الحسابات الدبلوماسية، وأن تتغير لغة البيانات، ثم يُفترض أن الصيغة المقترحة تحظى تلقائيًا بقبول أصحاب الأرض.

وإذا كان الحكم الذاتي هو الحل الذي يُراد له أن يكون «نهائيًا» و«دائمًا» و«مقبولًا»، فإن السؤال عن القبول نفسه ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جوهر المسألة.

أمّا القول إن سكان الصحراء يقبلون به أو يرفضونه، فلا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ادعاء مقابل ادعاء؛ فالطريقة الوحيدة للخروج من هذا الجدل هي أن تكون هناك إرادة شعبيّة واضحة، قابلة للقياس والتحقق، ومعبَّرًا عنها عبر آلية ذات مصداقية.

وهنا تحديدًا تتكشف المفارقة: نتحدث كثيرًا عن «الحل المقبول من جميع الأطراف»، لكننا نادرًا ما نتوقف بما يكفي عند السؤال الأبسط والأكثر جوهرية:

لكن؛ مقبولٌ عند مَن؟

فإذا كان الجواب: «مقبول عند الأطراف السياسية والدولية»، بقي السؤال الأهم معلقًا: وماذا عن الإنسان الذي يُفترض أن يعيش هذا الحل؟

القضايا الكبرى لا تُحسم بكثرة ترديد المصطلحات، ولا بتبديل العبارات الدبلوماسية؛ وإنما حين يصبح «القبول» حقيقةً سياسيةً وشعبيةً، لا مجرد صفة تُلصق بالحل في البيانات.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط ضجيج الاعترافات، وتقلب المواقف، وتبدّل المعايير.

والأخطر أن الإفراط في الارتهان للغة المواقف الدولية يجعل القضية، في وعينا نحن، وكأنها تستمد يقينها من خارجها: فإذا اعترفت دولةٌ بمغربية الصحراء هلّلنا، وإذا بدّلت موقفها اضطربنا؛ وكأن حقيقة القضية تُقاس بمؤشر البيانات الدبلوماسية المتقلب.

وهنا ينبغي أن نستعيد البوصلة.

نعم، نفرح بالاعترافات ونحتفي بها ونستثمرها سياسيًا، ونحسبها مكاسب في ميزان الدبلوماسية؛ لكن من دون أن نجعلها مصدر يقيننا، أو معيار ثقتنا بعدالة قضيتنا.

فالاعتراف السياسي مكسبٌ في السياسة، وليس أصلًا في الحقيقة. والموقف الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، يظل موقفًا قابلًا للمراجعة ما دامت المصالح قابلةً للتبدل.

لذلك، ليس كل اعترافٍ إيمانًا، وليس كل تراجعٍ كفرًا بالقضية؛ ففي السياسة، كما في غيرها، هناك مواقف صادقة، ومواقف براغماتية، ومواقف مؤقتة، وربما مواقف مغشوشة.

والعاقل لا يراهن على التصفيق؛ بل يبني على ما يصعب التراجع عنه.

الصحراء مغربية، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أمّا مواقف الدول، فمتغيرة بتغير المصالح والحسابات والظروف؛ نرحب بها حين تأتي، ونوظفها حين تخدم قضيتنا، لكننا لا نسمح لها بأن تحدد لنا ما نؤمن به، ولا أن تمنح قضيتنا يقينها أو تسلبها إياه.

القضية ثابتة، والمواقف متحركة. والثابت لا يستمد ثباته من المتغيّر.

نقطة. نهاية٠

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...