«بين إعلان “الانتصار” وتبدّل موازين القوة: قراءة في نهاية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026»
أحمد براو
إيطاليا
08
تعيش منطقة الشرق الأوسط في الأسابيع الأخيرة من صيف عام 2026 واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، مع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية عن قرب إعلان الرئيس دونالد ترامب «نهاية الحرب على إيران»، وربما تقديم «انتصار» سياسي وإعلامي للرأي العام الأمريكي. غير أن هذا الإعلان المحتمل، وفق محللين استراتيجيين أمريكيين، يخفي خلفه واقعًا مغايرًا تمامًا، يتمثل في تعثّر المشروع العسكري والسياسي للولايات المتحدة في المنطقة، وتحوّل ميزان القوة لصالح إيران وحلفائها.
– الضغط العسكري الأمريكي…
حدود القوة تتكشف على الرغم من التفوق العسكري الأمريكي، تشير التحليلات إلى أن واشنطن واجهت خلال هذه الحرب استنزافًا غير مسبوق في الذخائر والقدرات اللوجستية، إضافة إلى إرهاق قواعدها المنتشرة في الخليج العربي والعراق والأردن، وحتى القواعد الأوروبية التي شاركت في العمليات في كل من بريطانيا وإيطاليا وألمانيا انتهاء بقبرص واليونان وإسرائيل…هذا الإرهاق، بحسب مراقبين، كشف حدود القوة الأمريكية في بيئة إقليمية معقدة، حيث لم تنجح واشنطن في تحقيق أهدافها الاستراتيجية رغم كثافة الضربات الجوية والبحرية، والتهديدات المتكررة والتلويح باستخدام القوة غير تقليدية مدمرة تستهدف البنيات التحتية الأساسية خاصة الطاقة والمياه والجسور. وزعزعة أركان النظام الإيراني القيادي السياسي والعسكري والعلمي.
– ورقة مضيق هرمز… ذكاء استراتيجي إيراني
أبرز نقاط التحول في هذه المواجهة كانت سيطرة إيران على معادلة مضيق هرمز، إذ استخدمت طهران إغلاقه كورقة ضغط فعّالة، ما أدى إلى شلل في حركة الطاقة العالمية، ودفع واشنطن إلى مطالبة إيران بإعادة فتحه.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن إيران رفعت سقف شروطها خلال الوساطة العُمانية، مطالبةً بتعويضات مالية هائلة عن «الحرب العبثية»، وهو ما يعكس ثقة متزايدة بالنفس وقدرة على فرض شروط تفاوضية غير مسبوقة.
– حلفاء إيران… من البحر الأحمر إلى شرق وجنوب آسيا
لم تكن إيران وحدها في هذه المواجهة. فقد لعب حلفاؤها دورًا محوريًا في تغيير قواعد اللعبة:اليمن (أنصار الله): إيقاف مرور سفن حليفة لواشنطن في البحر الأحمر.سوريا ولبنان وغزة: رغم الضربات التي طالت هذه الساحات، بقيت الفصائل قادرة على التأثير في المعادلة الإقليمية.العراق (الحشد الشعبي): استمرار الضغط على الوجود الأمريكي في المنطقة.هذه الشبكة الواسعة من التحالفات جعلت المواجهة مع إيران أكثر تعقيدًا، وأظهرت قدرة طهران على إدارة صراع متعدد الجبهات. واستخدام الممرات البرية عبر الحدود الشرقية والشمالية لمواصلة تصدير الطاقة والتجارة البينية، التي راهنت على حصارها الولايات المتحدة الأمريكية
– المشروع النووي والصواريخ الباليستية… خطوط حمراء ثابتة
تؤكد مصادر إيرانية أن طهران لن تتخلى عن مشروعها النووي، ولن تقبل بأي قيود جديدة على برنامجها الصاروخي، كما لن توقف دعمها للفصائل المناهضة للوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
هذا الموقف الصلب يعكس قناعة إيرانية بأن الحرب الأخيرة أثبتت أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض شروطها كما في السابق.
– انعكاسات داخلية في الولايات المتحدة.
تزامن هذا التعثر الخارجي مع تراجع داخلي في الولايات المتحدة، سواء داخل الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، وصعود تيارات سياسية موازية تعكس حالة انقسام اجتماعي وسياسي عميق. كما عمق الجانب الاقتصادي داخل امريكا بعد صعود أسعار براميل النفط والنقص الحاد في الاحتياطي النفطي الأمريكي وسط مزاعم حول مضاعفة ارباح البيع.
ويرى محللون أن هذا التراجع خاصة في الداخل الأمريكي يضعف قدرة واشنطن على الاستمرار في لعب دور «شرطي الشرق الأوسط»، ويؤشر إلى بداية تحولات كبرى في النظام الدولي.
– إسرائيل… تراجع في الصورة والدور
تشير قراءات إعلامية وسياسية إلى أن إسرائيل تواجه بدورها تراجعًا في صورتها الدولية، خصوصًا بعد الانتقادات الحقوقية والإعلامية الواسعة لسلوكها العسكري.
ويرى بعض المحللين أن الحركة الصهيونية تمرّ بمرحلة «مخاض سياسي وأخلاقي»، مع تراجع قدرتها على تقديم نفسها كطرف «ضحية»، في ظل توسع الاتهامات بممارسات عنصرية وانتهاكات واسعة.
– تحولات إقليمية ودولية… ما بعد أمريكا
مع انشغال واشنطن بأزماتها الداخلية وتراجع حضورها العسكري، تتجه دول الشرق الأوسط وأوروبا نحو إعادة بناء تحالفات جديدة قائمة على المصالح الوطنية والقومية، لتعويض الفراغ الأمني والدفاعي الذي خلّفته الولايات المتحدة.
هذه التحولات قد تعيد رسم خريطة المنطقة، وتفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد لا تكون فيه واشنطن اللاعب المركزي كما كانت خلال العقود الماضية.
– خاتمة
إن إعلان ترامب المرتقب نهاية الحرب على إيران، إن حدث، سيكون إعلانًا سياسيًا أكثر منه انتصارًا عسكريًا. فالمشهد الإقليمي يشير إلى تغيّر عميق في موازين القوة، وصعود فاعلين جدد، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في منطقة لطالما اعتبرتها مجالًا حيويًا لنفوذها.
هذه القراءة الشخصية تمثل وجهة نظر تحليلية مبنية على متابعة دقيقة للأحداث خلال عام 2026، في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم حساسية وتقلبًا.





