بعد خمسة قرون من التوسع الاستعماري.. أوروبا لا تزال تدير أو تستعمر 42 إقليما وجزيرة وصخرة خارج القارة الأوروبية
بعد أكثر من خمسة قرون على انطلاق موجات التوسع الأوروبي عبر البحار، لا تزال خريطة العالم تحتفظ ببقايا جغرافية مباشرة لتلك المرحلة، إذ تستعمر أو تدير ست دول أوروبية، وفق معيار جغرافي واسع يقوم على احتساب الوحدات الإقليمية الرئيسية الواقعة خارج القارة الأوروبية، 42 إقليما أو جزيرة أو أرخبيل أو موقعا جغرافيا موزعة على إفريقيا والأمريكيتين والكاريبي والمحيطين الهندي والهادئ والقارة القطبية الجنوبية.
ووفق هذا المعطيات الرسمية التي حصيلة تستند إلى الوحدات الإقليمية الرئيسية، وهي 13 لفرنسا، و13 لبريطانيا بعد استبعاد جبل طارق الموجود جغرافيا في أوروبا، وست لهولندا، وست لإسبانيا، وثلاث للنرويج، وغرينلاند ضمن مملكة الدنمارك.
والعديد من هذه الأراضي لا تعتبرها الدول الأوروبية التي تديرها أو تستعمرها بأنها “مستعمرات” بالمفهوم القانوني، بل تعتبرها أجزاء دستورية من هذه الدول الأوروبية، وبعضها يتمتع بحكم ذاتي واسع، وبعضها أقاليم تابعة، بينما توجد مجموعة ثالثة موضوع نزاعات سيادة أو مطالب بتقرير المصير، والأمم المتحدة نفسها لا تضع سوى 17 إقليما في العالم على قائمة “الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي”، بحكم قوة الدول الأوروبية في المنتظم الدولي ونفوذها.
إسبانيا.. خمس مناطق في شمال المغرب موضوع مطالبة مغربية
في الحالة الإسبانية، توجد خارج القارة الأوروبية ست ثغور رئيسية، وهي جزر الكناري، وسبتة، ومليلية، وصخرة بادس، وجزر الحسيمة، وجزر الجعفريات، حيث يطالب المغرب بخمس منها التي توجد ضمن نطاقه الجغرافي.
وتعود السيطرة الأوروبية على سبتة إلى سنة 1415 عندما احتلتها البرتغال، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني وتكريس ذلك بمعاهدة لشبونة سنة 1668، أما مليلية فاحتلتها إسبانيا سنة 1497، وسيطرت مجددا على بادس سنة 1564، واحتلت جزر الحسيمة سنة 1673، ثم استولت على الجعفريات سنة 1848.
واللافت أن معهد التاريخ والثقافة العسكرية التابع للجيش الإسباني نفسه يستخدم في عرضه التاريخي ألفاظ “الاحتلال” و”الاستيلاء” و”إعادة الاستيلاء” عند الحديث عن هذه المواقع.
وتوجد بشأن خمس من هذه الثغور مطالبة مغربية رسمية، ففي الإعلان الذي أودعه المغرب لدى الأمم المتحدة سنة 2007 عند التصديق على اتفاقية قانون البحار، أكد أن “سبتة ومليلية وجزيرة الحسيمة وصخرة بادس وجزر الجعفريات أراض مغربية”، وأنه “لم يتوقف عن المطالبة باستعادتها”، واصفا وجودها تحت السيادة الإسبانية بـ”الاحتلال”، حيث ردت مدريد رسميا سنة 2008 بأن هذه الأراضي “جزء لا يتجزأ من مملكة إسبانيا”.
بريطانيا.. 13 إقليما خارج أوروبا وإرث إمبراطوري مستمر
تقر الحكومة البريطانية بوجود 14 إقليما بريطانيا وراء البحار، وبعد استبعاد جبل طارق، تبقى 13 وحدة خارج القارة الأوروبية وهي: أنغويلا، برمودا، الإقليم البريطاني في أنتاركتيكا، إقليم المحيط الهندي البريطاني “شاغوس”، الجزر العذراء البريطانية، كايمان، المالوين/فوكلاند، مونتسرات، بيتكيرن، سانت هيلينا وأسينشين وتريستان دا كونا، جورجيا الجنوبية وساندويتش الجنوبية، تركس وكايكوس، ومنطقتا القواعد السيادية أكروتيري وديكيليا في قبرص.
وأبرز نزاعات هذه الخريطة هو نزاع المالوين/فوكلاند التي تطالب بها الأرجنتين إلى جانب جورجيا الجنوبية وساندويتش الجنوبية، بينما تتمسك بريطانيا بسيادتها وبحق سكان المالوين في تقرير مصيرهم، وتبقى المالوين نفسها مدرجة لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
أما شاغوس فتمثل حالة مختلفة، فقد فصلتها بريطانيا عن موريشيوس سنة 1965، لكن لندن وبورت لويس وقعتا في 22 ماي 2025 معاهدة تقر بنقل السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس، مع احتفاظ بريطانيا باستخدام دييغو غارسيا قاعدة عسكرية لمدة 99 عاما قابلة للتمديد.
وحتى غشت 2026 لم تدخل المعاهدة حيز التنفيذ، ولذلك تؤكد الحكومة البريطانية أن شاغوس ما تزال في الوقت الحالي إقليما بريطانيا وراء البحار، إلى أن يتم انتقال السيادة رسميا.
فرنسا.. 13 إقليما من الكاريبي إلى المحيط الهادئ
فرنسا هي الدولة الأوروبية صاحبة الانتشار الأوسع، وتعدد وزارة أقاليم ما وراء البحار الفرنسية 12 إقليما وهي: غوادلوب، غويانا الفرنسية، مارتينيك، ريونيون، مايوت، كاليدونيا الجديدة، بولينيزيا الفرنسية، سان بارتيليمي، سان مارتان، سان بيير وميكلون، واليس وفوتونا، والأراضي الفرنسية الجنوبية والقطبية، ويضاف إليها كليبرتون التي تصفها فرنسا رسميا بأنها “الإقليم الفرنسي الثالث عشر وراء البحار”.
ويرجع هذا الانتشار إلى التوسع الفرنسي بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، وتوجد عدة نزاعات سيادة باقية: جزر القمر تطالب بمايوت، وسبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن أكدت في قرارات متعددة سيادة جزر القمر عليها، ومدغشقر تطالب بجزر غلوريوز وخوان دي نوفا وأوروبا وباساس دا إنديا، وموريشيوس تطالب بتروملين، فيما تطالب فانواتو بجزيرتي ماثيو وهنتر اللتين تديرهما فرنسا ضمن كاليدونيا الجديدة.
وفي يوليوز 2026 أكدت حكومة فانواتو استمرار النزاع وأن فرنسا ما تزال متمسكة بمطالبتها بالجزيرتين.
هولندا والدنمارك والنرويج
في الكاريبي، تضم مملكة هولندا ست ثغور وهي: أروبا وكوراساو وسانت مارتن، وهي دول تتمتع بحكم ذاتي داخل المملكة، إلى جانب بونير وسابا وسانت أوستاتيوس المرتبطة مباشرة بهولندا كهيئات عامة خاصة.
أما الدنمارك فتحتفظ بغرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، التي حصلت على ما يسمى الحكم الداخلي سنة 1979 ثم نظام الحكم الذاتي الموسع سنة 2009.
ويكتسب وضعها خصوصية لأن القانون الدنماركي يعترف صراحة بأن شعب غرينلاند شعب يتمتع بحق تقرير المصير وفقا للقانون الدولي، وهو ما يفتح قانونيا طريق الاستقلال إذا اختاره الغرينلانديون.
وتملك النرويج ثلاث ثغور بعيدة، وهي: جزيرة بوفيه التي ضمتها سنة 1928، وجزيرة بيتر الأول سنة 1931، وأرض الملكة مود التي أعلنت مطالبتها بها سنة 1939، والأخيرتان جزء من القارة القطبية الجنوبية، حيث تخضع المطالب الإقليمية لنظام معاهدة أنتاركتيكا.
11 إقليما ما تزال تحت عنوان “تصفية الاستعمار”
الأكثر أهمية أن 11 من الأقاليم الواقعة خارج أوروبا والتي تديرها دول أوروبية لا تزال حتى اليوم على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، توجد تسعة تحت الإدارة البريطانية، هي: أنغويلا وبرمودا والجزر العذراء البريطانية وكايمان والمالوين ومونتسرات وبيتكيرن وسانت هيلينا وتركس وكايكوس، وإقليمان فرنسيان هما كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية، أما جبل طارق، وهو الإقليم البريطاني العاشر الموجود على القائمة، فلم يدخل في الحساب لأنه يقع جغرافيا في أوروبا.
ولا يعني وجود إقليم على هذه القائمة أن سكانه جميعا يطالبون بالاستقلال، بل يعني أن الأمم المتحدة لا تعتبر مسار تقرير وضعه النهائي قد أُغلق وفق قواعد تصفية الاستعمار.
وبالمقابل، هناك 16 ثغر إداري، أو 17 موقعا إذا عُدَّت الجزر منفردة، تديرها دول أوروبية وتوجد بشأنها مطالبات سيادية مباشرة من دول أخرى، خمس يطالب بها المغرب، والمالوين وجورجيا الجنوبية وساندويتش الجنوبية تطالب بها الأرجنتين، وشاغوس المرتبطة بموريشيوس، ومايوت التي تطالب بها جزر القمر، وأربع جزر تطالب بها مدغشقر، وتروملين التي تطالب بها موريشيوس، وماثيو وهنتر اللتان تطالب بهما فانواتو.
وهكذا، اختفت الإمبراطوريات الأوروبية بالشكل الذي كانت عليه في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكن جغرافيتها لم تختف بالكامل، وتغيرت الأسماء القانونية إلى “أقاليم وراء البحار” و”حكم ذاتي” و”مدن مستقلة” و”تبعيات”، فيما بقيت 42 ثغورا رئيسية خارج القارة الأوروبية تحت سيادة أو إدارة أو استعمار ست دول أوروبية، وبينها 11 إقليما ما تزال الأمم المتحدة تضعها رسميا في إطار مسار تصفية الاستعمار، إلى جانب سلسلة من نزاعات السيادة التي تمتد من الساحل المغربي إلى جنوب الأطلسي والمحيط الهندي والمحيط الهادئ.
المصدر: الصحيفة





