محمد أحمد بنّيس
شاعر وكاتب مغربي
يشهد صيف العام الجاري (2026) أحداثاً متسارعة تنذر بإعادة صياغة ملفّ الهجرة بين ضفّتَي البحر الأبيض المتوسّط، فبعد أيام على وفاة الشاب المغربي عبد الرحيم فقير، في أثناء محاولة عناصر الشرطة الإيطالية اعتقاله في مدينة بولونيا في 19 الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز)، تحوّل معبر “طاراخال” الحدودي (بين المغرب ومدينة سبتة المحتلّة) إلى نقطة استنفار أمني وسياسي غير مسبوق. أعادت هذه المصادفة إلى الواجهة ملفّ الهجرة بكلّ تعقيداته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيّما في غياب مقاربات جادّة تدرك هذه التعقيدات وتستوعبها من دون حسابات حزبية وسياسية ضيّقة.
فجّرت حادثة فقير موجةَ غضب عارمة في إيطاليا، وطالبت منظّمات حقوقية بكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات القانونية. ووجدت الحكومة اليمينية التي تقودها جورجيا ميلوني نفسها في موقف حرج للغاية، على الرغم من تعهّدها بالتحقيق وكشف الحقيقة كاملةً. كما رأى مثقّفون وأكاديميون إيطاليون في الحادثة انعكاساً لأزمة مؤسّسية وحقوقية عميقة في النظام الاجتماعي والسياسي، وكان لافتاً ما كتبه الأكاديمي ورئيس جامعة سيينـا توماسو مونتاناري في مقاله الصادر في صحيفة “إلفاتو كوتيديانو” (23 يوليو)، حين عَدَّ الواقعة “انتهاكاً صارخاً لمبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع، وانعكاساً لأزمة العنف المؤسّسي الذي بات يتغذّى على العنصرية وكراهية المهاجرين والأجانب (…)، وإخفاقاً لمبدأ سيادة القانون الذي يُفترض ألّا يميّز بين الناس بحسب لون بشرتهم وانتماءاتهم الدينية والثقافية والاجتماعية”.
كان يُفترض أن تشكّل حادثة فقير، بالنسبة إلى الحكومة الإيطالية، منعطفاً لإعادة النظر في سياستها المتطرّفة في ملفّ الهجرة، لكنّها فضّلت أن تُسخّر أحداث سبتة لتدوير سرديتها اليمينية المتطرّفة، وتوسيع قاعدتها في أوساط القوى الاجتماعية المصطفة حول طروحاتها العنصرية والفاشية. وبدل أن تكون أوروبا في موقع المعتدية (حادثة فقير)، غدت في موقع “الضحية المُستهدَفة” التي تحاصرها جحافل المهاجرين من جنوب المتوسّط.
وجدت حكومة ميلوني في أحداث سبتة ذريعةً لتبرير سياستها المتطرّفة في ملفّ الهجرة، ومن ثمّ، غسل أيدي أجهزتها الأمنية من دماء عبد الرحيم فقير. لقد أصبح هذا الملفّ بالنسبة إلى مختلف تشكيلات اليمين المتطرّف والفاشي في أوروبا وقوداً لمعاركها ضدّ الطروحات المعتدلة بشأن المهاجرين والأجانب.
في ضوء هذا، تبدو دعوة الحكومة الإيطالية إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء “شنغـن” وتشديد المراقبة على القادمين منها، بعد اقتحام عشرات الآلاف من المهاجرين سياج سبتة المحتلّة، وحشد الدعم الأوروبي لسياساتٍ أكثر تشدّداً في ملفّ الهجرة، محاولةً لتبييض سياستها اليمينية المتطرّفة، هذا من دون إغفال دواعٍ وحسابات حزبية وانتخابية على صلة بالانتخابات التشريعية الإيطالية (2027).
تكشف حادثة فقير، واقتحام السياج الحدودي بين المغرب وسبتة المحتلّة، مفارقةً صارخةً في تعاطي الحكومات الأوروبية مع ملفّ الهجرة؛ كان من المفروض أن تأخذ العدالة مجراها في هذه الحادثة، لا أن تتحوّل إلى مورد يستثمره اليمين المتطرّف، أو بالأحرى الفاشي، في إيطاليا بتحويل الملفّ إلى عائد سياسي وانتخابي، وجعله مبرِّراً لنزوع متنامٍ إلى عسكرة الحدود مع بلدان جنوب المتوسّط، وللتحكمِ في مسارات الشراكة معها وتوجيهها بما يُغلّب المصالح الأوروبية.
هناك واقع جديد في طور التشكّل في حوض المتوسّط، يتبدّى بالأساس في مقاربة أمنية متشدّدة تقودها حكومات اليمين، بما يعنيه ذلك من السقوط في تبرير العنف ضدّ المهاجرين وتحويله من مجرّد وقائعَ فردية معزولة إلى ممارسة تُبرَّر بذريعة التهديد الأمني والثقافي الذي يحمله هؤلاء المهاجرون، ومأسسة الابتزاز بين الحكومات، ليس فقط بين حكومات شمال المتوسّط وجنوبه، بل حتّى بين الحكومات الأوروبية، وهو ما تجلّى في الموقف الإيطالي من إسبانيا بعد أحداث سبتة، هذا إضافة إلى التحدّيات التي تواجهها الشراكة بين ضفّتَي المتوسّط، فبينما تتحمّل بلدان الجنوب، وفي مقدّمتها المغرب، أعباءً ماليةً وأمنيةً كبيرةً للوفاء بالتزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي، يُحرم مواطنوها المهاجرون إلى أوروبا من الحماية القانونية التي تكفلها دساتيرُ الدول الأوروبية وتشريعاتُها، وتتنصّل هذه الدول من مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية عندما تُنتهك حقوقهم الأساسية كما أظهرت ذلك حادثةُ عبد الرحيم فقير.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





