استدعاء للسفير المغربي ومسيرة إلى الحدود واحتجاجات أمام التمثيليات الدبلوماسية لمدريد.. حين زار ملك إسبانيا سبتة ومليلية قبل 19 عاما

إيطاليا تلغراف متابعة

تعيد زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس وعقيلته الملك ليتيثيا، المرتقبة إلى سبتة ومليلية، التي أعلنتها مدريد أمس الخميس، إلى الواجهة ذكرى آخر زيارة لملك إسباني إلى المدينتين، والتي قام بها والده الملك خوان كارلوس الأول وعقيلته الملكة صوفيا، في نونبر 2007 وأثارت آنذاك أزمة دبلوماسية حادة بين المغرب وإسبانيا، امتدت إلى الشارع والحدود، وانتهت بعد أسابيع من التوتر بعودة الاتصالات بين البلدين وعودة السفير المغربي إلى مدريد.

وبحسب ما أكدته مصادر القصر الملكي الإسباني والحكومة الإسبانية، فإن الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا سيزوران سبتة يوم 13 أكتوبر الجاري، على أن ينتقلا في اليوم الموالي إلى مليلية، في أول زيارة لهما إلى المدينتين منذ اعتلاء فيليبي السادس العرش سنة 2014، حيث أكدت وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية أن برنامج الزيارة التفصيلي سيعلن لاحقا، فيما لن يرافق رئيس الحكومة بيدرو سانشيز العاهل الإسباني خلال الرحلة، بحسب مصادر حكومية نقلتها المصادر ذاتها.

وتأتي زيارة فيليبي السادس في سياق مختلف عن ذلك الذي أحاط برحلة خوان كارلوس قبل نحو 19 عاما، لكنها تستعيد ذاكرة تلك الأزمة، خصوصا أن زيارة 2007 كانت أول زيارة يقوم بها ملك إسباني إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش، بعدما ظل خوان كارلوس يتجنب التوجه إليهما منذ وصوله إلى الحكم سنة 1975، حيث كانت حكومة خوسي لويس رودريغيث ثاباتيرو قد اعتبرت آنذاك أن الزيارة تندرج في إطار ممارسة الملك لاختصاصاته الدستورية والتواصل مع السكان، بينما نظرت إليها الرباط باعتبارها خطوة تمس جوهر الخلاف القائم حول وضع سبتة ومليلية.

في الثاني من نونبر 2007، وبعدما أكدت مدريد رسميا أن خوان كارلوس والملكة صوفيا سيزوران سبتة يوم الخامس من نونبر ومليلية في اليوم الموالي، اتخذ المغرب أولى خطواته الدبلوماسية، حيث قررت الرباط، بتوجيه من الملك محمد السادس، استدعاء سفيرها لدى إسبانيا عمر عزيمان إلى المغرب للتشاور إلى أجل غير محدد، حيث بررت وزارة الخارجية المغربية القرار باحتجاجها على ما وصفته آنذاك بالزيارة المؤسفة إلى المدينتين اللتين تعتبرهما الرباط جزءا من التراب المغربي.

ولم يكن القرار الدبلوماسي معزولا عن موقف سياسي مغربي أوسع، فقد عقد البرلمان المغربي جلسة استثنائية لمناقشة تداعيات الزيارة، فيما عبّر رئيس الحكومة عباس الفاسي عن رفض شديد لها، واعتبرها خطوة غير مناسبة في العلاقات بين البلدين، كما أعلنت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية في مجلس النواب حينها تنظيم وقفة أمام السفارة الإسبانية في الرباط بالتزامن مع وصول الملك الإسباني إلى سبتة، في تعبير عن رفض الزيارة والدعوة إلى مراجعة العلاقات المغربية الإسبانية.

وبالتوازي مع التحرك الرسمي، خرجت الاحتجاجات إلى الشارع، خصوصا في شمال المغرب، ففي تطوان، تجمع مئات الأشخاص بالقرب من القنصلية الإسبانية، قبل أن تتحول الوقفة إلى مسيرة جابت أحد الشوارع الرئيسية للمدينة، ورفعت خلالها شعارات تؤكد مغربية سبتة ومليلية وترفض الزيارة الملكية، كما شاركت في الاحتجاجات هيئات سياسية ونقابية وحقوقية ومدنية، حيث نقلت مصادر مغربية رسمية، في إبانه أن ممثلين عن أحزاب ونقابات وجمعيات سلموا القنصل العام الإسباني في تطوان بيانا يحتج على الزيارة، معتبرين أنها قد تؤثر على العلاقات بين البلدين.

أما في محيط سبتة، فقد انتقلت الاحتجاجات من المجال السياسي إلى المنطقة الحدودية نفسها، ففي الخامس من نونبر، يوم وصول خوان كارلوس إلى سبتة، تجمع آلاف المحتجين في الجانب المغربي بالقرب من معبر باب سبتة، فيما حاولت مجموعات منهم التقدم باتجاه الحاجز الحدودي، قبل أن تتدخل قوات الأمن المغربية لمنع المحتجين من تجاوز المعبر، وفي مليلية أيضا، شهد المعبر الحدودي في بني أنصار احتجاجا شارك فيه نحو 300 شخص، حيث حمل المحتجون آنذاك لافتات ترفض زيارة خوان كارلوس، ورددوا شعارات سياسية مرتبطة بوضع المدينتين. 

وفي الجانب الرسمي المغربي، اتخذت الأزمة منحى أكثر وضوحا عندما اعتبر آنذاك رئيس الحكومة عباس الفاسي  الزيارة “استفزازا”، في جلسة برلمانية استثنائية، بينما بعث رئيسا مجلسي البرلمان رسالة احتجاج إلى السفير الإسباني في الرباط، كما شدد وزير الخارجية المغربي آنذاك الطيب الفاسي الفهري على أن الزيارة تتجاوز حدود مجرد سوء تفاهم عابر، وأنها تمس طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين.

ولم تنته الأزمة مباشرة بعد مغادرة الملك الإسباني للمدينتين، فقد بقي السفير المغربي عمر عزيمان في الرباط، بعدما استدعته المملكة في الثاني من نونبر، كما علقت الرباط عددا من الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى، واستمر الوضع الدبلوماسي المتوتر لأسابيع، في وقت كانت فيه مدريد تحاول تجنب التصعيد، بينما كانت الرباط تريد إيصال رسالة واضحة بأن الزيارة الملكية إلى سبتة ومليلية ليست حدثا عاديا بالنسبة إليها.

وفي بداية يناير 2008، بدأت مرحلة إنهاء الأزمة فعليا، فقد توجه وزير الخارجية الإسباني آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس إلى الرباط في الثاني من يناير، حيث التقى نظيره المغربي الطيب الفاسي الفهري، وحمل رسالة من رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو إلى الملك محمد السادس، وكانت الزيارة محاولة مباشرة لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي وفتح الطريق أمام عودة السفير المغربي إلى مدريد.

وبعد هذه الاتصالات، أعلنت الخارجية المغربية في السابع من يناير أن عمر عزيمان سيعود فورا إلى منصبه في مدريد، ليعود بذلك التمثيل الدبلوماسي المغربي إلى وضعه الطبيعي بعد أكثر من شهرين على استدعائه، لتنتهي أزمة زيارة خوان كارلوس من دون أن يؤدي التصعيد إلى قطيعة دبلوماسية أو إلى تغيير موقف أي من الطرفين بشأن الوضع السياسي لسبتة ومليلية.

اليوم، وبعد 19 عاما، تبدو الصورة مختلفة في بعض جوانبها، لكنها تحمل أيضا عناصر تشابه واضحة، فالزيارة الجديدة تأتي في ظل حساسية مرتبطة بسبتة، وبعد أزمة حدودية شهدتها المدينة خلال صيف 2026، عندما دخل إليها أكثر من 72 ألف شخص، والتي أعقبها جدل سياسي وأمني كبير بين البلدين دفع جهات رسمية وغير رسمية داخل اسبانيا إلى توجيه اتهامات للمغرب بالوقوف وراء عملية العبور الجماعي نحو سبتة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...