في الحاجة إلى الحلقة إلى روحي ولد خرشاش ونعينعه

 

 

 

الحبيب ناصري

رحم الله شيوخ ورموز الحلقة الذين رحلوا في صمت .. لم يتم الاشتغال على توثيقهم، ولا على التفاتات رمزية دنيوية في حقهم.. ولا الاعتراف، بهم، وهم في دار الآخرة. جيل الحلقة جيل خاص. من طينة خاصة. فيها تعلمت العديد من المعارف، وكيفية التصالح مع الذات وتثمين ثقافتها الشعبية المحلية.. بكل صدق فيها انفتحت على ما يجري في مدينتي وخارجها.
رحم الله ولد خرشاش ونعينعه. هذا الثنائي عرفت به حلقة وادي زم، وبقية المدن، والأسواق، والقرى المجاورة لهذه المدينة المعروفة بنضالها وتاريخها العريق .
في هذه الحلقة، التي حاولت قد المستطاع استحضارها في روايتي “حلم أمكنة”، كان هذا الثنائي قادرا على جلب فئات عمرية مختلفة من المدينة للاستمتاع بالضحك ولعدة ساعات. الفرجة تبدأ بعيد العصر، وتبقى مستمرة حتى تحل خيوط الظلام .. عرف هذا الثنائي بالقدرة على إضحاك الناس.. تميزا بعفوية غريبة في النبش في موضوعات ضحكهما. كان ضحكا منحوتا من تربة البادية .. وقصص أخرى يعيشها أهل المدينة. موضوعات متعددة استهوت الناس.. ولازال أثرها حاضرا في ذلك الجيل الذي تربى بين الحلقة، والمدرسة، وبرامج تلفزية محدودة، تبدأ في السادسة والنصف وتتوقف في حدود منتصف الليل.. الوقت الباقي كان هذا الجيل يقرأ فيه ما تيسر من الكتب.. ويستمتع بحكايات الجدة، ولعب كرة القدم، والعيش أحيانا بين مياه الطبيعة وخضرة أشجارها..
لم ننجح في تشييد كلية للفنون أو مدرسة وطنية خاصة بالفنون. وبالتالي ضاع تكوين علمي صلب في مجالات فنية عديدة، ومنها الحلقة بطبيعة الحال.. ليس فقط في مجال البحث النظري، بل حتى في مجال التكوين التطبيقي. مدننا المغربية، ساحاتها، ما عدا مراكش، توقفت فيها الحلقة .صحيح نحن اليوم في عصر التكنولوجيا، والرقميات، والذكاء الاصطناعي، الخ، لكن هذا دور من بيدهم قرارات الدراسة الجامعية، والتكوين، والبحث، الخ، للتفكير في كيفية إحياء ثقافة الحلقة. ساحات مدننا المغربية الجميلة، تزدحم فيها المقاهي، والمطاعم، ومحلات الألبسة الخ.. لا شيء يبعث فيها روح ثقافتنا الشعبية العريقة !!. في ظل هذه العولمة المرعبة، يبقى القابض على فرجته الشعبية المحلية، كالقابض على نور يخرجه من ظلمة الجهل الجديد.. (موت، بين هواتف محمولة، وتكنولوجيا تتلاعب بالإنسان). رحم الله ولد خرشاش ونعينعة.. صنعا وساهما في تشكل جيل أحب الحياة .. وجمع بين ثقافة الأرض والسماء.. بشكل يشبه بداية حلقة ذلك الزمان. البداية بافتتاحية دينية جميلة، والانتقال فيما بعد إلى موضوعات وقصص من حياتنا.. وعزف شعبي كان يهز الأعماق.. والختم بالرحمة والمغفرة للجميع ..


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...