قراءة تحليلية وردّ على مقال علي أنوزلا -عندما يراجع العدالة والتنمية المغربي التطبيع- : بين دقة اللحظة السياسية وحسابات المعارضة
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
يثير النقاش الدائر حول مواقف حزب العدالة والتنمية المغربي من اتفاقيات استئناف العلاقات تفاعلات واسعة في المشهد السياسي والإعلامي خصوصاً مع اقتراب المواعيد الانتخابية. وفي هذا السياق تطالعنا قراءات تحليلية من أبرزها ما نشرته بعض الأقلام كالمقال الذي وقّعه الصحفي علي أنوزلا تحت عنوان عندما يراجع العدالة والتنمية المغربي التطبيع على (منبر العربي الجديد) والتي تحاول تقييم تحولات الخطاب الحزبي معتبرة أن الانتقال من التبرير المؤسساتي للقرار سنة 2020 إلى رفع سقف الانتقاد لاحقاً يفتقر إلى الوضوح العملياتي أو الالتزام الانتخابي الصريح. غير أن مقاربة هذا الملف بمنظور استراتيجي وموضوعي يتجاوز السطحية السياسية تفرض تفكيك الظرفية التاريخية التي أحاطت باتخاذ ذلك القرار وفهم الحدود الدقيقة بين المسؤولية الحكومية المرتبطة بتقديرات الدولة العليا وبين الديناميات الحزبية الداخلية.
أولاً: إن الإنصاف السياسي والمهني يقتضي التذكير بأن توقيع الاتفاقيات في دجنبر 2020 لم يكن قراراً حزبياً معزولاً بل جاء في سياق جيوسياسي إقليمي ودولي شديد التعقيد والتأزم حيث كانت المملكة المغربية تتربص بها تحديات كبرى وخصوم يتربصون بوحدتها الترابية وسيادتها على أقاليمها الجنوبية لا سيما قضية الصحراء المغربية التي تشكل العصب الأساسي للثوابت الوطنية وفي مثل تلك الظروف الاستثنائية تجد المؤسسات الدستورية والحكومية نفسها أمام ضرورة تغليب المصالح العليا للبلاد واستثمار كل الفرص الدبلوماسية المتاحة لتعزيز مكاسب الوحدة الترابية.
ولذلك فإن تحمل الدكتور سعد الدين العثماني بصفته رئيساً للحكومة آنذاك مسؤولية توقيع القرار والانسجام معه يعكس وعياً وطنياً متقدماً يدرك أن رجل الدولة الحقيقي يقدم مصلحة الوطن واستقرار المؤسسات وسيادتها فوق أي حسابات حزبية ضيقة. ومثل هذا السلوك الإيجابي والمسؤول لا يقلل من المبادئ بل يؤكد أن الأحزاب الوطنية تذوب مصالحها حين تتعلق الكفة بالثوابت الاستراتيجية العليا للمملكة.
ثانياً: في المقابل لا يمكن لعاقل أو متابع رصين أن يزكي كل ما يطرحه بعض قياديي الحزب اليوم ولا سيما تصريحات الأمين العام الحالي عبد الإله بنكيران أو غيره والتي تتأرجح بين مراجعات متسرعة ومواقف حماسية تحاول مغازلة القاعدة الانتخابية وحركة التوحيد والإصلاح. إن الانتقال من منطق تفهم قرارات الدولة إلى محاولة توظيف الرفض السياسي لأغراض تعبئوية انتخابية يوقع الحزب في فخ التناقض المعرفي والسياسي. فالسياسة الخارجية وثوابت الدولة المغربية الاستراتيجية ليست مجرد ورقة للمزايدة الموسمية أو مادة استهلاك خطابي في الحملات الانتخابية ومن غير المقبول منطقياً أن تتبنى قيادات حزبية خطابات مرتفعة السقف بينما كانت في موقع المسؤولية التنفيذية تدرك تمام الإدراك دقة الحسابات الإقليمية ومرجعيات القرار السيادي.
ثالثاً: وبخصوص الطرح الذي تبناه علي أنوزلا في مقاله متّهماً الحزب بالغموض أو السعي لاستغلال الملف انتخابياً دون تقديم التزامات حكومية صارمة فهو قراءة تحاول تحميل الحزب أكثر مما يحتمل وتتجاهل طبيعة النظام السياسي المغربي الذي تسهر فيه المؤسسة الملكية على توجيه السياسات الخارجية الكبرى.
ومما لا شك فيه أن الشعب المغربي بجميع مكوناته يمتلك الثقة الكاملة والراسخة في الرؤية السديدة والتوجيهات الاستراتيجية الرائدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله مدركاً أن كل الخطوات والقرارات السيادية تُحسب بدقة وعناية فائقة تخدم المصالح العليا للوطن وقضاياه المصيرية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. وعليه فإن قرار التوقيع في تلك المرحلة الدقيقة لم يكن سوى خيار سيادي يزن بحكمة بالغة مكاسب البلاد الاستراتيجية بعيداً عن المزايدات أو الحسابات الظرفية.
وبحكم كوني صحفياً مقيماً في إيطاليا ومتابعاً مستقلاً للشأن السياسي المغربي بعيداً عن أي اصطفافات أو حسابات حزبية ضيقة فإنني لا أدافع هنا عن حزب العدالة والتنمية ولا تربطني به أي مصلحة بل ينطلق قلمي من دافع مهني بحت لتحقيق رؤية سليمة وتقديم رد حيادي وموضوعي على ما تطرق إليه الكاتب. إن واجبي كإعلامي يفرض علي انتقاد ما يستوجب النقد وإظهار الحقائق للقارئ كما هي لتتضح الصورة جلية فمثل هذه القراءات تحاول افتعال أزمة مصداقية غير واقعية وإشغال الرأي العام بمعارك جانبية متناسية أن الناخب المغربي اليوم واعٍ تماماً ويحاكم الأحزاب السياسية بناء على برامجها الواقعية في تدبير الشأن العام المحلي كالتعليم الصحة والقدرة الشرائية لا سيما بعد الانتكاسة الانتخابية الكبرى التي مُني بها الحزب سنة 2021 نتيجة تراكمات تدبيرية الاجتماعية وليست مرتبطة بملف بعينه.
وختاما أقول إن التعاطي مع قضايا السياسة الخارجية وثوابت الأمة يتطلب قدراً عالياً من الترزن والموضوعية بعيداً عن المزايدات أو إسقاط الحسابات الحزبية على خيارات الدولة الاستراتيجية. لقد كان المغرب ولا يزال سيد دبلوماسيته يوازن بين نصرة القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وبين حماية وحدته الترابية ومصالحه العليا والمطلوب اليوم من النخب والأحزاب كافة هو الارتقاء بالخطاب السياسي إلى مستوى التحديات الجسيمة التي تواجهها البلاد وإدراك أن المصلحة العليا للمغرب تظل هي البوصلة التي يجب أن تخضع لها كافة الاجتهادات السياسية والحزبية.





