يحيى جابر اسم يصعب حصره في تعريف واحد جاهز؛ فهو شاعر يكتب بسخرية لاذعة تتخفّى خلف طبقة من الوجع، وكاتب ومخرج وجد في المسرح مساحة طبيعية لالتقاط الحكايات كما تُعاش قبل أن تُعاد صياغتها على الخشبة. أما تجربته في التمثيل فتبقى محدودة، لكنها تكشف فضولا فنيا أكثر مما تؤسس لمسار تمثيلي واضح.
ومن هذا التعدد غير المكتمل في الأدوار يتشكل عالمه المسرحي؛ عالم ينحاز للحكاية أكثر مما ينحاز للشكل، ويقترب من تفاصيل الحياة اليومية بوصفها المادة الخام لفهم لبنان كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
الأرشفة الحية وتتبع الأثر الصغير
لا يبحث يحيى جابر عن “الحدث الكبير” بقدر ما يتتبع الأثر الصغير: جملة عابرة في حي شعبي، أو تفصيل يومي بسيط في مدينة مثقلة بالتعب. هذه التفاصيل لا تُقدَّم كوقائع معزولة، بل تُبنى عليها سرديات تكشف طبقات المجتمع اللبناني من الطوائف إلى المناطق والطبقات الاجتماعية، دون الوقوع في خطاب مباشر أو توثيق جاف.
وبهذا المعنى، يقترب مسرحه من فكرة “الأرشفة الحيّة” للناس العاديين، لكنه أرشيف غير رسمي يتحرك داخل الحكاية نفسها؛ حيث لا تُقدَّم الشخصيات كصور ثابتة، بل كأصوات متناقضة تكشف أن الذاكرة اللبنانية ليست رواية واحدة، بل روايات صغيرة تعيش جنبا إلى جنب في هامش يبدو صامتا لكنه شديد الحضور.
كما يقوم مسرحه على إعادة الاعتبار لمن هم خارج الضوء، أولئك الذين لا تحضر قصصهم في السرديات الرسمية أو الإعلامية التقليدية، متخذا من هذه الهوامش مدخلا أساسيا لفهم المجتمع من الداخل عبر تفاصيل كاشفة لبنية اجتماعية أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح.
إعادة صياغة الهوية وجمع اللبنانيين
في مسرح يحيى جابر، لا تبقى الطوائف والمناطق مجرد خلفيات اجتماعية، بل تتقدّم بوصفها جزءا من نسيج الشخصيات نفسها. لا تُقدَّم كتعريفات جاهزة، بل تتجسد في اللغة والتفاصيل والسلوك، بحيث يصبح الانتماء تجربة معيشة لا عنوانا خارجيا.
هذا التحول يعيد صياغة طريقة قراءة الهوية داخل النص المسرحي؛ فبدلا من أن تسبق الطائفة أو المنطقة الشخصية، تنكشف من داخلها عبر الحكاية حيث تختلط التجربة الفردية بالبيئة الاجتماعية لتفكيك التنميط والتعميم. ويُستدعى المسرح في هذا السياق كفضاء لإعادة جمع اللبنانيين داخل مشهد واحد بعد أن فرّقتهم الانقسامات السياسية والاجتماعية إلى مسافات متباعدة، دون تقديم الاختلاف بوصفه أزمة، بل كجزء من الحياة اليومية يظهر في اللغة والسلوك والتفاصيل الصغيرة التي تكشف عمق العلاقات بين الناس.
المونودراما وتكثيف الحكاية
تشكّل المونودراما في تجربة يحيى جابر خيارا مرتبطا بطبيعة الحكاية التي يشتغل عليها أكثر مما هي صيغة شكلية. فاعتماده على ممثل واحد لا يأتي من باب تقليص العناصر، بل من رغبة في تكثيف السرد ومنح الشخصية قدرة على حمل عالم كامل من التفاصيل داخل فضاء واحد.
هذا الشكل يسمح بتحويل الصوت الفردي إلى مساحة سردية واسعة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الاجتماعية، وتُروى من خلالها بيئات متعددة عبر منظور واحد قادر على التنقل بين طبقات الحكاية دون تشتيت، إلى جانب تعزيز علاقة مباشرة مع المتلقي تقوم على كثافة الحضور وقوة الكلمة والأداء.
شهادات نقدية في أبعاد التجربة
تؤكد الممثلة وأستاذة المسرح عايدة صبرا أن يحيى جابر نجح في خلق نمط مسرحي خاص به لا يشبه أحدا، وفي تأسيس هوية فنية تجمع بين المتعة الفكرية والجاذبية الشعبية. وتلخص صبرا البعد السوسيولوجي في أعماله؛ إذ تتحول الخشبة إلى مساحة لفهم المجتمع اللبناني وتفكيك بناه الاجتماعية وكشف صراعاته والذاكرة المسكوت عنها ضمن مقاربة إنسانية تبتعد عن الاستفزاز.
كما تشير إلى إعادة تقديمه للمونودراما بشكل متجدد عبر استحضار شخصيات متعددة وأصوات مختلفة داخل العرض الواحد، مستندا إلى البحث الميداني والتاريخ الشفهي وروح الحكواتي الذي يخاطب الناس بلغة بسيطة، مع توظيف السخرية والضحك لكشف التناقضات والتركيز على قوة النص وأداء الممثل بعيدا عن الإفراط في الديكور والمؤثرات.
ومن جانبها، ترى الناقدة فاطمة عبد الله أن اختزال تجربة يحيى جابر في توثيق التحولات الاجتماعية يظلم مشروعا أكثر عمقا، متوقفة عند بناء الشخصيات وتفكيك المسلّمات حيث تقول “الفرد في هذا المسرح لا يعيش خارج الجماعة ولا يذوب فيها تماما. يحملها معه أينما ذهب، حتى حين يحاول الابتعاد عنها. يعترض على قيمها أحيانا، ويستند إليها أحيانا أخرى. لهذا تبدو شخصيات يحيى جابر في حوار مع الأوساط التي خرجت منها، لا في قطيعة معها ولا في خضوع مطلق لها.
واللافت أن هذه الشخصيات لا تصطدم بما هو استثنائي، وإنما بما اعتادت اعتباره أمرا طبيعيا. وكلما تقدمت الحكاية، أخذت هذه المسلمات بالتصدع واحدة تلو الأخرى… من هنا تنبع قوة مسرحه بدفعه شخصياته إلى إعادة النظر في أمور عاشت طويلا من دون أن تسأل نفسها عن أسبابها.
وتضيف فاطمة عبد الله موضحة أبعادا أخرى في تجربة جابر المسرحية: “كثير من أبطاله يعيشون داخل شخصيات اجتماعية متوقَعة؛ ابن، أم، زوجة، ابن حيّ أو طائفة أو طبقة معيّنة. ثم تبدأ المسافة بالاتساع بين الإنسان الحقيقي والدور الذي اعتاد أداءه أمام الآخرين، فتتكشَّف الطبقات الأعمق في شخصياته.
وكثير من النصوص تبقى أسيرة اللحظة التي كُتبت فيها، فيما تزداد أعمال يحيى جابر غنى كلما ابتعدت عن زمنها. في كثير من الأعمال المسرحية، تُشكّل الأحداث ذاكرة العرض، أما عند يحيى جابر، فالشخصيات هي التي تؤدّي هذا الدور؛ “تبقى حاضرة بلغتها ومزاجها ومنطقها ونظرتها إلى الحياة، وهذه علامة فارقة في أي مشروع مسرحي طويل الأمد”.
من المباشرة السياسية إلى الذاكرة والسيَر
عرف مشروع يحيى جابر تحولا تدريجيا لافتا، مسافرا من مسرح يميل في بداياته إلى المباشرة السياسية والصراع المباشر، وصولا إلى مسرح أكثر التصاقا بالتفاصيل الإنسانية وتفكيك الواقع من داخل اليومي عبر السير الفردية والحكايات الصغيرة التي تحمل أثر الطائفة والمكان دون أن تتحول إلى شعارات.
هذا التحول لم يكن خروجا من السياسة، بل انتقالا في زاوية النظر إليها: من الحدث العام إلى الذاكرة المعيشة، ومن الخطاب إلى السيرة. وبذلك صار المسرح أقرب إلى أرشيف إنساني للبنان تُروى فيه الهوية عبر طبقاتها الاجتماعية والمناطقية والطائفية، مما جعل جابر يختلف عن المسرحيين الذين انشغلوا إما بالخطاب السياسي المباشر أو التجريب المنفصل عن الواقع، منطلقا من الناس أنفسهم ومن لغتهم وتناقضاتهم وذاكرتهم.
لبنان كما يرويه ناسه
لا يتعامل يحيى جابر مع المسرح بوصفه مساحة لعرض الحكايات، بل كمدخل إلى قراءة لبنان من تفاصيله اليومية. وتكمن خصوصية هذا المشروع في أنه ينقل مركز الحكاية من الخطاب العام إلى التجربة الفردية، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر دلالة من السرديات الكبرى.
وبهذا المعنى، لا يقدم جابر تفسيرا للبنان بقدر ما يضعه أمام صور متجاورة لذاته كما تُعاش لا كما تُصاغ، ليتحول المسرح إلى مساحة قراءة مفتوحة تُطرح فيها الأسئلة أكثر مما تُقدَّم الإجابات، عبر شخصيات تظل قريبة من الحياة اليومية لا من قوالب التمثيل، صناعةً لمسرح يرى فيه اللبنانيون أنفسهم كما يعيشون بالفعل.
المصدر: الجزيرة





