متفوقا على سانشيز والملك فيليبي السادس.. زعيم “فوكس” اليميني المتطرف يصبح السياسي الأكثر شعبية رقميا في إسبانيا مستغلا أزمة سبتة
اعتلى زعيم حزب “فوكس” الإسباني، اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال، للمرة الأولى، صدارة قائمة السياسيين الأكثر قوة رقميا في إسبانيا، متجاوزا رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، الذي ظل لعدة أشهر في المركز الأول، مستفيدا من الأزمة السياسية التي تلت الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة، في وقت اختار فيه رئيس الحكومة التزام الصمت على شبكات التواصل الاجتماعي.
وحسب آخر تحديث لتصنيف “القوة الرقمية”، الذي طوره تطبيق “فينسيس” وتنشره منصة “ديموكراتا”، فإن أباسكال أصبح السياسي الإسباني الأكثر تأثيرا على شبكات التواصل الاجتماعي، متقدما على سانشيز وباقي الشخصيات السياسية في البلاد، بعدما استفاد من حضوره الرقمي المكثف وتفاعله مع القضايا التي تصدرت النقاش العام خلال الأسابيع الأخيرة، وعلى رأسها أزمة سبتة.
ويعتمد تصنيف “القوة الرقمية” على معطيات متاحة للعموم بشأن النشاط الرقمي للمسؤولين والشخصيات السياسية، ويقيس قدرتهم الفعلية على التواصل مع الناخبين والتأثير في النقاش العام عبر منصات “إكس” و”إنستغرام” و”لينكدإن”، من خلال مؤشر يتراوح بين 0 و100.
ويتم احتساب المؤشر اعتمادا على معادلة تحمل اسم “RIO”، وهي الأحرف الأولى من مفاهيم الانتظام والتفاعلات والأصالة، حيث تؤخذ بعين الاعتبار مجموعة من العناصر المرتبطة بالحضور الرقمي، من بينها حجم الجمهور وجودته، ومدى تأثير الرسائل والمنشورات، إضافة إلى النشاط الحديث للشخصية السياسية على شبكات التواصل الاجتماعي.
وبحسب المعطيات الجديدة، لم يكتف سانشيز بخسارة صدارة التصنيف لصالح أباسكال، بل تراجع إلى المركز الثالث، بعدما تجاوزه أيضا النائب الأوروبي ألبيسي بيريث، المنتمي إلى حزب “سي أكابو لا فييستا”، ويأتي هذا التراجع في وقت شهد فيه حضور رئيس الحكومة على شبكات التواصل الاجتماعي انخفاضا لافتا، خصوصا مقارنة بنشاطه المعتاد.
في المقابل، حافظ الملك فيليبي السادس على المركز الرابع للأسبوع الثاني على التوالي، مسجلا النتيجة نفسها التي حققها سانشيز، ما يعني أن استمرار تراجع رئيس الحكومة رقميا قد يفتح المجال أمام العاهل الإسباني لتجاوزه في التصنيف خلال الفترة المقبلة.
ويربط القائمون على التصنيف هذا التراجع بشكل أساسي بالصمت الذي اختاره سانشيز على شبكات التواصل الاجتماعي خلال شهر غشت، إذ يعود آخر منشور له على حسابه الشخصي في “إنستغرام” إلى فاتح غشت، فيما تعود آخر فيديوهاته على “تيك توك” إلى 9 غشت، بينما كان آخر منشور له على منصة “إكس” في 18 غشت.
ويكتسي هذا الغياب أهمية خاصة بالنظر إلى كثافة الأحداث السياسية التي شهدتها إسبانيا خلال هذه الفترة، وفي مقدمتها أزمة الهجرة في سبتة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا السياسية التي طبعت المشهد الإسباني خلال السنة الجارية، وتمكن أباسكال وألبيسي من استثمارها لتعزيز حضورهما الرقمي وفرض مواقفهما في النقاش العام.
وكان من اللافت أن آخر منشور شخصي لسانشيز على منصة “إكس” يعود إلى ثمانية أيام قبل صدور التحديث الأخير للتصنيف، وكان مخصصا لإحياء ذكرى اغتيال الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا، ويختلف هذا الإيقاع بشكل واضح عن النشاط المعتاد لرئيس الحكومة، الذي كان ينشر على المنصة بشكل يومي، أو بفواصل زمنية لا تتجاوز في الغالب 48 ساعة.
ومنذ 18 غشت، لم يسجل حساب سانشيز سوى تفاعلين، تمثلا في إعادة نشر منشورين صادرين عن حساب رئاسة الحكومة “لا مونكلوا”، أحدهما يتعلق بانعقاد مجلس الأمن القومي، والآخر بالإعلان عن انعقاد أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد العطلة الصيفية.
أما على “إنستغرام”، فإن أحدث منشور شخصي لرئيس الحكومة تمثل في مقطع فيديو قصير شارك من خلاله قائمة الأغاني التي اختارها للاستماع إليها خلال فصل الصيف، وقد أثار المنشور انتقادات في التعليقات، خصوصا أنه نشر بعد يومين فقط من الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة، وهو الحدث الذي فجر أزمة سياسية وأمنية وهجرة اعتبرت من أبرز الأزمات التي واجهتها الحكومة الإسبانية خلال السنة الحالية.
ولم يكن الوضع مختلفا على منصة “تيك توك”، حيث يعود آخر منشور لسانشيز إلى مقطع فيديو استعرض فيه الكتب التي يقرأها خلال هذه الفترة، وبدلا من أن ينصب التفاعل بشكل أساسي على محتوى الفيديو، امتلأت التعليقات بانتقادات تتعلق بغياب رئيس الحكومة عن النقاش بشأن أزمة سبتة وعدم إدلائه بمواقف مباشرة بشأن التطورات التي شهدتها المدينة.
ويظهر من خلال هذه المعطيات أن تراجع سانشيز لم يكن مرتبطا فقط بتقدم منافسيه، وإنما أيضا بانخفاض مستوى النشاط الرقمي في حساباته الشخصية خلال فترة شهدت تصاعدا كبيرا في الاهتمام السياسي والإعلامي بأزمة سبتة، وهو ما منح شخصيات سياسية أخرى، وفي مقدمتها أباسكال وألبيسي، فرصة أكبر لاحتلال مساحة النقاش على شبكات التواصل الاجتماعي.
ويعكس تصنيف “القوة الرقمية” تحولا أوسع في طبيعة المنافسة السياسية في إسبانيا، حيث لم يعد النفوذ يقاس فقط بالحضور داخل المؤسسات المنتخبة أو بالقدرة على التأثير في البرلمان والحكومة والأحزاب، وإنما بات مرتبطا أيضا بالقدرة على احتلال الفضاء الرقمي بصورة منتظمة وفعالة.
وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أداة رئيسية للظهور والتأثير وتحديد المواقف السياسية، كما تحولت إلى وسيلة مباشرة للتواصل مع الناخبين، بعيدا عن القنوات التقليدية التي كانت تتحكم في السابق بدرجة أكبر في وصول السياسيين إلى الجمهور، خصوصا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في 2027.
ولا يقيس التصنيف حجم الجمهور أو عدد المتابعين فقط، وإنما يحاول تحديد القوة الفعلية للشخصية السياسية في الفضاء الرقمي، من خلال الجمع بين حجم وجودة جمهورها، وتأثير المنشورات التي تنشرها، ومستوى التفاعل معها، ومدى انتظام النشاط وحداثته، إضافة إلى عنصر الأصالة في المحتوى.
وبذلك، فإن صعود أباسكال إلى صدارة التصنيف وتراجع سانشيز إلى المركز الثالث، بالتزامن مع أزمة سبتة، يقدم مثالا واضحا على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها استراتيجية السياسي على شبكات التواصل في موقعه داخل المشهد السياسي الرقمي، خصوصا عندما تتزامن كثافة الأحداث مع غياب أحد أبرز الفاعلين عن المنصات التي باتت تشكل امتدادا موازيا للنشاط السياسي والمؤسساتي.
المصدر: الصحيفة





