قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، في خطوة جديدة تؤكد استمرار التصعيد الذي تخوضه الهيئات المهنية بشأن القانون المنظم للمهنة والذي دخل مؤخرا حيز التنفيذ بعد صدوره في الجريدة الرسمية، وذلك عقب اجتماع “ماراثوني” عقده مجلس الجمعية، بنادي هيئة المحامين بالرباط امتد إلى حدود فجر الجمعة.
وانطلقت أشغال المجلس في حدود الساعة العاشرة والنصف صباحا واستمرت إلى غاية الثامنة من مساء الخميس، حيث ناقش أعضاء الجمعية مختلف التطورات المرتبطة بالملفات التي توجد في صلب الحراك المهني للمحامين، قبل إحالة مخرجات الاجتماع على مكتب الجمعية لمواصلة التداول واتخاذ القرار بشأن الخطوات المقبلة.
وعقب ذلك، عقد مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب اجتماعا استمر إلى الساعات الأولى من صباح الجمعة، انتهى إلى اعتماد قرار مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، بما يعني استمرار حالة المقاطعة داخل المحاكم إلى حين الإعلان عن الموقف التفصيلي للجمعية.
ويرتبط هذا التصعيد بالخلافات القائمة حول عدد من القضايا المتعلقة بممارسة مهنة المحاماة والإطار القانوني المنظم لها، في وقت تستمر فيه الاتصالات والنقاشات بشأن الملفات التي تعتبرها الهيئات المهنية أساسية بالنسبة لمستقبل المهنة وعلاقتها بمختلف مكونات منظومة العدالة.
ومن المنتظر أن يعلن مكتب الجمعية، مساء الجمعة 28 غشت، عن بيان يتضمن تفاصيل مخرجات الاجتماع الاستثنائي والقرارات التي جرى اتخاذها، بما في ذلك طبيعة الخطوات التي ستتخذها الهيئات خلال المرحلة المقبلة.
ودخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، بعد صدوره رسميا في الجريدة الرسمية يوم الخميس 20 غشت، في محطة تشريعية أنهت مرحلة طويلة من الجدل والنقاشات التي رافقت إعداد النص والمصادقة عليه، لكنها، وفق تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، لا تعني بالضرورة إغلاق الباب أمام مراجعة بعض مقتضياته أو تعديلها مستقبلا.
وفي أول تعليق له عقب دخول القانون حيز التنفيذ، اختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال مشاركته في نشرة الظهيرة على القناة الثانية، يوم الجمعة 21 غشت، التأكيد على أن نشر النص لا يعني نهاية النقاش حوله، ملوحا بإمكانية مراجعته وتعديله مستقبلا من طرف الحكومة المقبلة التي ستفرزها الانتخابات المقررة في 23 شتنبر 2026، مشيرا إلى أن وزير العدل المقبل أو الحكومة المقبلة يمكن أن يتقدما بمبادرات تشريعية لإعادة النظر في بعض مقتضياته.
ولم يحصر وزير العدل إمكانية مراجعة القانون في المبادرة التشريعية للحكومة المقبلة، بل أشار أيضا إلى مسار القضاء الدستوري، من خلال الطعون أمام المحكمة الدستورية، وكذا آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، استنادا إلى الفصل 133 من الدستور، متى توفرت الشروط القانونية اللازمة لذلك.
وفي سياق حديثه عن علاقته بالمحامين، نفى وهبي أن تكون الخلافات التي رافقت مسار إعداد القانون قد وصلت إلى مرحلة القطيعة النهائية، مستخدما تعبيرا لافتا حين قال إن علاقته بالمحامين “ليست طلاقا بائنا بل طلاق رجعي” في إشارة إلى إمكانية تجاوز الخلافات واستئناف العمل المشترك حول الملفات التي تهم المهنة.
وفي قراءة لهذا المستجد قال رشيد لزرق، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في تصريح لـ”الصحيفة” إن نشر قانون مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ يعني انتقاله من مرحلة النقاش التشريعي والرقابة السابقة إلى مرحلة التطبيق الفعلي والإلزام القانوني، لكنه لا يعني، في المقابل، إغلاق الباب أمام مراجعته أو تقييمه أو تطويره.
وأوضح لزرق أن قرار المحكمة الدستورية الأخير لم يحسم في دستورية مضمون القانون ولم يفحص مقتضياته من الناحية الموضوعية، وإنما انتهى إلى تعذر البت لأسباب مرتبطة بمسطرة الإحالة، وبالتالي، وفق قراءته، لا يمكن التعامل مع القرار باعتباره “تزكية دستورية شاملة” لمختلف مقتضيات النص.
وأضاف أن الذي انتهى فعليا هو إمكانية توقيف صدور القانون عبر الرقابة الدستورية السابقة، بينما تظل إمكانية تعديله أو تتميمه أو إعادة النظر في بعض مقتضياته قائمة، خصوصا إذا أفرز التطبيق العملي اختلالات تمس استقلال المهنة أو حقوق الدفاع أو حسن سير العدالة.
ويرى أستاذ القانون والعلوم السياسية أن مرحلة ما بعد النشر تكتسي أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من مستوى الاعتراض على القانون قبل دخوله حيز التنفيذ إلى مستوى اختبار مقتضياته في الواقع، وما قد يكشفه التطبيق من صعوبات أو تناقضات أو ثغرات تستدعي المعالجة التشريعية أو التنظيمية.
وفي هذا السياق، يلفت لزرق إلى أن أمام المحامين عددا من المسارات القانونية والمؤسساتية، من بينها توثيق الإشكالات التي ستفرزها الممارسة العملية وتحويلها إلى مقترحات دقيقة لتعديل النص، سواء عبر الحكومة أو البرلمان.
كما يشير إلى إمكانية الطعن أمام القضاء الإداري في المراسيم أو القرارات التنظيمية والتطبيقية، متى تجاوزت حدود القانون أو مست بحقوق مشروعة، بما يجعل مرحلة تنزيل القانون نفسها مجالا قائما للنقاش والرقابة القانونية.
ويضيف أن الدفع بعدم دستورية بعض المقتضيات، عند توفر شروطه القانونية ودخول آليته حيز التنفيذ، يمكن أن يشكل بدوره إحدى الوسائل التي تسمح بإعادة إخضاع مقتضيات معينة من القانون للرقابة الدستورية، لكن هذه المرة في إطار نزاع واقعي تتوافر فيه الشروط القانونية اللازمة لإثارة الدفع.
وبحسب وزارة العدل، فإن القانون الجديد يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث الإطار القانوني المنظم للمهن القضائية، من خلال إعادة ترتيب مجموعة من القواعد المرتبطة بالولوج إلى مهنة المحاماة، والتكوين والتمرين، والتسجيل في جداول هيئات المحامين، فضلا عن تنظيم ممارسة المهنة ومكاتب وشركات المحاماة، وتحديد حقوق وواجبات المحامين، ومراجعة المساطر المهنية والتأديبية وطرق الطعن.
المصدر: الصحيفة





