“الخلاص” فوق الأسطح.. لماذا يتجه التونسيون إلى الطاقة الشمسية؟

إيطاليا تلغراف متابعة

على سطح منزله، يتابع عبد الحق سلامة إنتاج الألواح الشمسية التي ركّبتها عائلته لتغطية جزء من احتياجاتها من الكهرباء. وبين فواتير قديمة وأخرى حديثة، يوضح للجزيرة نت أن تركيب المنظومة تطلب تكلفة مرتفعة نسبيا، لكنه أسهم في خفض فاتورة الكهرباء بشكل ملحوظ في الظروف العادية.

لكن تجربة عبد الحق كشفت له أن إنتاج الكهرباء لا يعني بالضرورة الاستقلال عن الشبكة، فعندما ينقطع التيار تتوقف منظومته عن تزويده بالكهرباء بالطريقة التي يحتاج إليها، وهو ما دفعه إلى التفكير في الخطوة التالية: تخزين الطاقة.

يقول للجزيرة نت “نحن الآن نحتاج إلى حل آخر، وهو تخزين الكهرباء”.

وتعكس تجربة عبد الحق تحولا أوسع بدأ يظهر في حياة التونسيين خلال السنوات الأخيرة، إذ شاع تعبير “الخلاص الفردي” في الخطاب الشعبي، وارتبط أساسا بالهجرة إلى الخارج بوصفها مخرجا فرديا من أزمات اقتصادية واجتماعية تراكمت داخل البلاد.

لكن هذا المفهوم بدأ يأخذ أشكالا جديدة، فلم يعد مقتصرا على البحث عن طريق للخروج من تونس، بل امتد إلى البحث عن حلول داخلها، من تأمين المياه بعيدا عن الشبكة وإنتاج الكهرباء فوق أسطح المنازل، إلى توفير وسائل نقل بديلة ومصادر مستقلة تضمن استمرار الأنشطة الاقتصادية.

وخلال موجة الحر الأخيرة، برز هذا التحول بصورة أوضح، لا سيما في تعامل التونسيين مع الكهرباء والمياه، إذ كشفت الانقطاعات عن ترابط وثيق بين الخدمتين؛ فتوقف الكهرباء في بعض المناطق يعطل مضخات المياه، ليجد السكان أنفسهم أمام انقطاع الخدمتين في آن واحد.

استقلال الطاقة

ولا تبدو تجربة عبد الحق حالة معزولة، إذ تجاوز عدد المشتركين الذين ركّبوا أنظمة لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية 100 ألف مشترك بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، بقدرة إجمالية قاربت 400 ميغاواط، وفق بيانات الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

ويكشف توسع الأنظمة الشمسية عن تغير تدريجي في علاقة التونسي بالكهرباء. فإنتاج جزء من احتياجات المنزل لم يعد بالنسبة لكثيرين مجرد خيار بيئي أو وسيلة لخفض الفاتورة، وإنما أصبح محاولة للحصول على قدر أكبر من الاستقلال في مواجهة ارتفاع الاستهلاك واضطرابات التزويد.

لكن تجربة عبد الحق تكشف في الوقت نفسه حدود هذا “الخلاص”، فإنتاج الكهرباء من الألواح الشمسية خلال ساعات النهار لا يضمن الاستقلال الكامل عن الشبكة، ما لم تقترن المنظومة بوسائل لتخزين الطاقة، وهو ما دفع البطاريات إلى دخول حسابات المستهلكين الباحثين عن استمرارية التزويد.

وفي يوليو/تموز 2026، سمحت الشركة التونسية للكهرباء والغاز لأصحاب الأنظمة الشمسية المرتبطة بشبكة الجهد المنخفض بتركيب بطاريات لتخزين الطاقة، في خطوة تتيح للمستهلك المنزلي الانتقال من إنتاج الكهرباء للاستهلاك المباشر إلى تخزينها والاستفادة منها عند الحاجة.

أولوية الاستقرار

في أحد الأحياء الشعبية، التقينا الناصر الشرقي أثناء تصوير عملية تركيب ألواح شمسية فوق أحد المنازل.

يقول للجزيرة نت إنه لم يعد يريد الانتظار، مضيفا أن السنوات المقبلة قد تكون أشد صعوبة. لكنه لا يرى في الألواح وحدها حلا كافيا، بل يريد أيضا تخزين الكهرباء.

وبالنسبة إلى الناصر، لم تعد المسألة تقتصر على خفض فاتورة الكهرباء، بل باتت تتعلق بضمان توفرها عند الحاجة، بما يعكس تحولا في أولويات المستهلك التونسي من البحث عن كهرباء أقل تكلفة إلى تأمين إمدادات أكثر استقرارا.

ضرورة اقتصادية

لا يقتصر البحث عن مصادر الطاقة البديلة على المنازل. ففي المحال والمزارع، يمكن أن يتحول انقطاع الكهرباء من إزعاج مؤقت إلى تهديد مباشر للنشاط ومصدر الرزق.

خليل بن زايد -وهو صاحب أكثر من 20 محلا لبيع الدواجن- يقول للجزيرة نت إنه اضطر إلى ربط محاله بمصادر طاقة بديلة.

ويضيف “قد أتحمل تكلفة إضافية خلال فصل الصيف، ولكن في الأخير لا بد أن أحافظ على المنتوج”.

بالنسبة إلى خليل، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بسعر الكهرباء. فإذا توقف التبريد، يمكن أن تكون خسارة المنتجات أكبر بكثير من تكلفة تشغيل مصدر بديل للطاقة.

وفي القطاع الزراعي، تصبح الحاجة أكثر إلحاحا، إذ يقول نبيل الأحمدي -وهو فلاح يقيم خارج تونس- للجزيرة نت إن الأرض تحتاج إلى المياه باستمرار، وإن أي تعطل في الكهرباء يمكن أن يوقف عمليات الضخ ويهدد المحصول.

وهكذا يتحول مصدر الطاقة البديل من وسيلة لتقليص التكلفة إلى نوع من التأمين على النشاط الاقتصادي.

ضغط الانقطاعات

خلال يوليو/تموز الماضي، بدأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز الإعلان بشكل متواتر عن إمكانية اللجوء إلى القطع الدوري للتيار في مناطق مختلفة من البلاد، وربطت ذلك بالحفاظ على سلامة وديمومة المنظومة الكهربائية وبالتوازن بين الإنتاج والاستهلاك. وشملت البلاغات مناطق في تونس الكبرى والوسط والجنوب، مع التنبيه إلى أن عودة التيار قد تتم دون سابق إعلام.

وبالنسبة إلى المواطنين وأصحاب الأنشطة، لا تقاس آثار الانقطاع بعدد ساعات غياب الكهرباء فقط، وإنما بما يتوقف معها: مضخات المياه، وأجهزة التبريد، والآلات، ومعدات الري.

وهنا يصبح تأمين الكهرباء مسألة تتجاوز فاتورة الاستهلاك.

عجز الطاقة

يتزامن هذا السلوك الفردي مع أزمة طاقة هيكلية تعانيها تونس منذ سنوات.

فقد بلغ العجز التجاري الطاقي نحو 7 مليارات دينار (نحو 2.4 مليار دولار) حتى يونيو/حزيران الماضي، بزيادة بلغت 35% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حين كان العجز في حدود 5.175 مليارات دينار (نحو 1.8 مليار دولار)، وفق بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم.

وتعكس هذه الأرقام اعتماد تونس المتزايد على الخارج لتأمين حاجاتها من الطاقة، في وقت يتراجع فيه الإنتاج المحلي من المحروقات.

وفي المقابل، يشهد الاعتماد على الطاقة الشمسية توسعا تدريجيا، مدفوعا بنمو المشروعات الكبرى وزيادة إقبال الأفراد والمؤسسات على تركيب أنظمة لإنتاج احتياجاتهم من الكهرباء ذاتيا.

ويرى خبير الطاقة شرف الدين اليعقوبي -في حديث للجزيرة نت- أن التوسع في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، على المستويين المنزلي والصناعي، يمثل أحد الخيارات المهمة لمواجهة العجز الطاقي في تونس، مشيرا إلى أنه لا يكفي بمفرده.

ويفسر اليعقوبي ذلك بطبيعة الطاقة الشمسية المرتبطة بساعات سطوع الشمس، داعيا إلى تنويع مصادر إنتاج الكهرباء، خصوصا بين الطاقة الشمسية والرياح، بالتوازي مع تطوير حلول التخزين.

فالمشكلة لا تكمن فقط في إنتاج مزيد من الكهرباء، وإنما في القدرة على توفيرها في الوقت الذي يحتاج إليها المستهلك.

تحديات الشبكة

يعزو المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة تكرر الانقطاعات إلى موجة الحر التي دفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية، إلى جانب عوامل تقنية أثرت في استقرار الشبكة، بحسب تصريحات سابقة له.

ويقدّم هذا التفسير الرسمي وجها آخر للأزمة، فالتوسع في استخدام الألواح الشمسية من جانب المواطنين لا يعني أن مشكلة الشبكة الوطنية حُلت، كما أن الانقطاعات لا يمكن اختزالها كلها في نقص إنتاج الكهرباء.

ولا يزال الغاز الطبيعي يشكل الركيزة الأساسية لإنتاج الكهرباء في تونس، في حين تبقى إسهامات الطاقات المتجددة محدودة قياسا بحجم الطلب، رغم التوسع المتسارع في استخدام الطاقة الشمسية.

ومن هذا المنطلق، يرى اليعقوبي أن التوسع في استخدام الألواح الشمسية يمثل جزءا من الحل، لكنه لا يكفي بمفرده لمعالجة التحديات الهيكلية التي تواجه منظومة الكهرباء في تونس.

خلاص داخلي

على سطح منزل عبد الحق سلامة، تبدو الألواح الشمسية أكثر من مجرد معدات لإنتاج الكهرباء. وفي مزرعة نبيل الأحمدي، تصبح الطاقة البديلة وسيلة لحماية المحصول. وفي محال خليل بن زايد، تتحول إلى ضمان لاستمرار التبريد وحماية البضاعة.

تتعدد الحالات، لكن القاسم المشترك بينها هو محاولة تأمين الاحتياجات الأساسية بعيدا عن هشاشة الخدمة العمومية.

وبينما ارتبط مفهوم “الخلاص الفردي” في المخيال الشعبي التونسي خلال السنوات الماضية بالهجرة والبحث عن فرصة خارج البلاد، بات اليوم يأخذ أشكالا جديدة داخلها، من خزانات المياه والألواح الشمسية وبطاريات تخزين الكهرباء، إلى وسائل النقل البديلة.

ولا يعكس هذا التوجه بالضرورة قطيعة مع الدولة أو الخدمات العامة، بقدر ما يمثل محاولة للتكيف مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن استمرارية توفير الاحتياجات الأساسية.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...