بقلم: د. علي محمد الصلابي
العقيدة هي أساس البناء الديني والفكري في حياة الإنسان، إذ تقوم عليها رؤيته للكون والناس والحياة، وتتحدد في ضوئها علاقته بخالقه وموقفه من قضايا الإيمان والغيب والمصير. وقد أولى الإسلام العقيدة عناية بالغة، فجعلها أصل الدين الذي يقوم عليه سائر الاعتقاد والعمل، وربط صلاح الإنسان وسلامة منهجه بصحة ما يؤمن به ويعتقده. ومن هنا لم تكن العقيدة في الإسلام مجرد أفكار أو تصورات نظرية، وإنما هي إيمان جازم يستقر في القلب، وينعكس أثره على سلوك المسلم وحياته.
والعقيدة لغةً (من العقد، وهو الربط، والشدُّ بقوَّةٍ، ومنه: الإحكام، والإبرام، والتماسك، والمراصة، والإثبات، والتوثق). (لسان العرب ، فصل العين المهملة ، باب “الدال”، “3/ 295، مادة “عقد”).
أما العقيدة في الاصطلاح: كلمة العقيدة لم تكن موجودة في الكتاب، والسنة، ولا في أمهات المعاجم، وإنَّ أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها: (عقائد) هو القشيري سنة 437 هـ في كتاب الرسالة، وهي كلمة مولدة لم تكن في الصدر الأول (أبو زيد، ص 242).
وقد عرفها الدكتور ناصر العقل فقال: (الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة في أصول الدين، وأمور الغيب، وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله تعالى في الحكم، والأمر، والقدر، والشرع، ولرسوله (ص) بالطاعة، والتحكيم، والاتِّباع) (العقل، ص 9).
يشمل التوحيد، والإيمان، والإسلام، والغيبيات، والنبوات، والقدر، والأخبار، وأصوله الأحكام القطعية، وسائر أصول الدين، والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع، وسائر الملل والنحل والمذاهب الضالة، والموقف منهم. ومن مسميات هذا العلم: العقيدة، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين.
والعقيدة في الإسلام تقابل الشريعة؛ إذ الإسلام عقيدة وشريعة تعني التكاليف العملية التي جاءت في القرآن والسنة النبوية في العبادات، والمعاملات. والعقيدة هي أمور علمية يجب على المسلم أن يؤمن بها ؛ لأن الله أخبرنا بها عن طريق كتابه، أو عن طريق وحيه إلى رسوله (ص). وأصول العقائد التي أمرنا الله باعتقادها هي التي حددها الرسول (ص) في حديث جبريل المشهور بقوله: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى» (مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الإيمان بالقدر 1/ 38 ، رقم 8). فالعقيدة في ديننا هي التي تدور حول قضايا معينة، هي التي أخبرنا بها الله، ورسوله، وليست اعتقاد أي شيء! وحتى تصبح هذه عقيدة لابدَّ أن تصدق بها تصديقاً جازماً لا ريب فيه، فإن كان فيها ريب، أو شك؛ كانت ظنّاً لا عقيدة والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] وقوله تعالى: {آلم ** ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2] وقال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ}[آل عمران: 9] وذم الله المشركين المرتابين بقوله: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] والمسائل التي يجب اعتقادها أمور غيبية، ليست مشاهدة منظورة، وهي التي عناها الله بقوله عندما مدح المؤمنين: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] فالله غيب، وكذلك الملائكة، واليوم الاخر، أما الكتب، والرسل فقد يتبادر: أنها تشاهد، وتنظر، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله، أي: كون الرسل مبعوثين من عند الله، وأنَّ الكتب منزلة من عند الله، وهذا أمر غيبيٌّ (الأشقر، 9-11).
والعقيدة ليست مختصة بالإسلام، بل كل ديانة، أو مذهب لابدَّ لأصحابه من عقيدة يقيمون عليها نظام حياتهم، وهذا ينطبق على الجماعات، والأفراد، والأمم، والشعوب. والعقائد منذ بدء الخليقة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هي قسمان:
الأول: يمثل العقيدة الصحيحة، وهي تلك العقائد التي جاءت بها الرسل الكرام في أيِّ زمان ومكان، وهي عقيدة واحدة ؛ لأنها منزلة من العليم الخبير الحكيم العزيز.
والقسم الثاني: يشمل العقائد الفاسدة على كثرتها، وتعدُّدها، وفسادها ناشأى من كونها نتاج أفكار البشر، ومن وضع مفكريهم، وعقلائهم، وعلمهم محدود، ومقيَّد بقيود بشرية متمثلة في عادات، وتقاليد، وأفكار.
وأحياناً يأتي فساد العقيدة من تحريفها، وتغييرها، وتبديلها، كما هو الحال بالنسبة للعقيدة اليهودية، والنصرانية في الوقت الحاضر، فإنهما حُرِّفَتا منذ عهدٍ بعيد، ففسادهما كان من هذا التحريف، وإن كانت عقيدتها سليمة الأصل (الأشقر، 9-11).
والعقيدة الصحيحة لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله (ص)، لأنهما محفوظتان لحفظ الله لهما. قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] والعقائد في غير الإسلام وإن كان في بعضها قليلٌ من الحق؛ فإنها لا تمثل الحقَّ، ولا تجليه.
فالعقيدة الصحيحة السليمة لا توجد في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في كلام الفلاسفة.. وإنما توجد في الإسلام في أصليه: الكتاب، والسنة نَديةً، طريةً، صافيةً، مشرقة، تملأ الفؤاد إيماناً، ونوراً، وحياة، ويقيناً: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ} [الشورى: 52] وتقنع العقل بالحجة والبرهان: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] وتنسجم مع الفطرة: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30]. (الأشقر، 9-11).
المصادر والمراجع:
- 1. أبو زيد، بكر. معجم المناهي اللفظية.
- 2. العقل، ناصر بن عبدالكريم. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة.
- 3. الأشقر، عمر سليمان. العقيدة في الله.
- الصلابي، علي محمد. الوسطية في القرآن الكريم.





