فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
قد يرى بعضهم أن إعلان مظلوم عبدي حلَّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ودمج مكوّناتها العسكرية والسياسية ضمن الدولة السورية انتصاراً واضحاً لدمشق، ونهايةً لمشروع سياسي وعسكري ذي طبيعة انفصالية عاش 15 عاماً في الشمال الشرقي السوري، لكنها قراءة متسرعة قليلاً، لا ترى العمق الوطني في هذا القرار، ذلك أن مشروع “قسد” بما حمله من معانٍ تكرّست بحكم الأمر الواقع على ثلث التراب السوري مدة طويلة، قد تلاشى بالفعل لمصلحة الدولة السورية، لكن القضية الكردية، وهي الخلفية الاجتماعية لما عرف بـ “قسد”، قد خرجت بعد هذه التسوية ولديها شرعية وطنية وحقوقية أكثر مما كانت عليه حتى بوجود “قسد”. وفي هذه الشرعية انتصار فعلي ليس لدمشق، ولكن للوطنية السورية.
استطاعت “قسد” أن تمتدّ على ما يقرب من ثلث الأراضي السورية، بما فيها من ثروات نفطية وزراعية ومصادر مائية، وامتلكت فوق تلك الجغرافية الغنية سلاحاً ومؤسّساتٍ ودعماً خارجياً معتبراً، كما ساندها، عن رضى أو إكراه، بعض المكوّنات العربية المجاورة، ولكنها ومؤسّساتها بقيت، رغم كل ما تمتّعت به، تعاني من فقدان الشرعية من أي نوع، كان وجودها مرتبطاً بقوة بوجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد تبنت “قسد” بعض الدول، مع تمدّد “داعش” على الأراضي السورية، وكانت “قسد” فصيلاً مؤهلاً عسكرياً لمواجهته. وقد حدث هذا بالفعل، وخاضت “قسد” المواجهة بمساعدة دول التحالف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، حتى زال التنظيم بشكل شبه كامل. ولكن أميركا صارت لديها سياسات مختلفة في سورية بعد سقوط الأسد، ووجدت أن التعامل مباشرة مع دمشق ممثِلةً للجغرافية السورية كلها أكثر جدوى. وبعد مواجهات عسكرية قصيرة في الشمال السوري، ظهر أن ميزان القوى ليس في صالح “قسد” التي انكفأت إلى مناطق محدودة في أقاصي الشمال الشرقي، وبقي التعامل الرسمي السوري في منتهى الهدوء مع ما بقي منها، وصولاً إلى لحظة حل “قسد” نهائياً، ولم يكن بالطبع مظلوم عبدي منتصراً، وهو يذيع آخر بيانات “قسد”، لكنه، في الوقت نفسه، لم يكون مهزوماً تماماً. خسرت الطبقة السياسية القسدية استقلالها السياسي والعسكري، واحتكارها القرار في مناطقها، ولكنها اكتسبت شيئاً ربما أكثر قوة من السلاح، وهو اعتراف الإدارة السورية الصريح بوجود كردي وحقوق كردية لم تندرج في السياسة السورية منذ الاستقلال عام 1946.
لا يمكن التقليل أبداً من المكسب الذي حصلت عليه دمشق أيضاً، فبعد أكثر من عام ونصف العام على إسقاط الأسد، استطاعت حكومة أحمد الشرع أن تمد مؤسّساتها لتشمل الشمال السوري كله، بما فيه من موارد زراعية ونفطية وبشرية من دون أن تضطر إلى حرب استنزاف طويلة، وكانت إدارة الشرع قد خاضت ربما مفاوضات مع الولايات المتحدة التي كانت راعية “قسد”. واستطاع الجانب السوري أن يحوّل نفسه إلى حليف بديل ذي مشروعيةٍ أكبر وقدرة أوسع، وقد اختصر المبعوث الأميركي توم برّاك المعادلة بثلاثيته الجديدة: جيش واحد حكومة واحدة دولة واحدة.
ليس حلّ تنظيم “قسد” النهاية بل هو بداية نجاح مرهون بقدرة الدولة على تخصيب هذا القرار، وتحويل الاعتراف بالكرد من مجرّد مرسوم رئاسي وتسوية سياسية إلى ممارسة راسخة في كل فعاليات المجتمع من تعليم وثقافة وتمثيل صحيح في البرلمان والحكومة والمؤسسات المختلفة. والأهم وجود العنصر الكردي ضمن الجيش الوطني، والمساواة الفعلية أمام القانون. وإذا حدث هذا، فإن نوعاً من المفارقة المفرحة تكون قد انجزت، أن “قسد” قد حققت أهم أهدافها وأغلاها في اللحظة التي وافقت فيها على حلّ نفسها، والذوبان في مكونات الدولة الجديدة. وربما تكون سنوات الرصاص الخمس عشرة في سورية، ونهايتها المثيرة، أكثر أهمية من كل الخرائط التي رُسمت بقلم يحمل مضامين عنصرية وعِرقية على مدى أجيال.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





