تحوّلاتُ في زمن الصورة عندما تكون الشاشة قادرة على توجيه جيل نحو الجندرة

 

 

 

 

ذ. أحمد براو
كاتب صحفي وباحث تربوي

 

 

في إحدى أمسيات الصيف، بينما كنت أعبر ساحة صغيرة في مدينة أوروبية يقطنها عدد كبير من الجالية المسلمة، لفت انتباهي شاب في حوالي السادسة عشرة من عمره، يحمل ملامح مغاربية واضحة، يرتدي “تي شيرت” ورديًا ضيقا، وحلقة فضية تتدلّى من أذنه، تنتهي عند تاتو عمودي في الرقبة، وشعرًا مصففًا بطريقة تشبه نجوم “كي بوب” الكوري. كان يتحرك بثقة لافتة، غير آبه بنظرات المارة، وكأنه يعيش في عالم آخر لا يشبه الشارع الذي يقف فيه. لحظة عابرة، لكنها معبرة، تختصر قصة جيل كامل يعيش بين ثقافتين: ثقافة البيت والمدرسة، وثقافة الشاشة التي لا تنام.

ذلك المشهد لم يكن استثناءً، بل أصبح جزءًا من يوميات المجتمعات المسلمة في الخليج وشمال إفريقيا وشرق آسيا والجاليات المنتشرة في الغرب. جيل جديد يطلّ بمظهر مختلف، أكثر نعومة، أكثر حيادًا، وأحيانًا أقرب إلى الأنثوية في تفاصيله البصرية. ظاهرة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد موضة عابرة، بل بوصفها انعكاسًا لتحولات عميقة في علاقة الشباب بالهوية، وبالعالم الرقمي، وبالرموز الثقافية التي تتدفق بلا توقف عبر المنصات.

– ثقافة دخيلة انصهرت بقوة عند المراهقين المسلمين

لقد تغيّر المشهد التربوي جذريًا. لم تعد الأسرة والمدرسة هما المصدرين الوحيدين للمعنى الثقافي، في المجتمعات المحافظة الإسلامية بل أصبحت حتى المنصات الرقمية هي المدرسة الكبرى التي يتعلم فيها المراهق نصوص التربية، وماهية الجمال، وحدود الهوية، وطريقة الظهور أمام الآخرين. الخوارزميات لا تهتم بالقيم ولا بالتوازن النفسي، بل بما يثير التفاعل ويجلب المشاهدات. وهكذا يجد الشاب نفسه داخل دائرة محتوى متكرر، يعيد إنتاج نفس النماذج البصرية التي يتابعها، فيتأثر بها دون أن يملك الأدوات النقدية التي تسمح له بفهمها أو وضعها في سياقها.

ثقافات فرعية مثل الكيبوب الكوري، والموضة المحايدة جندريًا، ورموز البوب الآسيوي، أصبحت جزءًا من الهوية البصرية للشباب في كل مكان. وفي المجتمعات المسلمة المحافظة، يظهر هذا التأثر بشكل أوضح، لأن الفجوة بين الأجيال أكبر، والخطاب التربوي التقليدي ما زال يعتمد على الوعظ والتوجيه المباشر، بينما يعيش الشباب في عالم سريع، بصري، متغير، لا يعترف بالسلطة التقليدية، ولا ينتظر الإذن من أحد ليعبّر عن ذاته.

– أسباب هذه الظواهر وفشل طرق التعامل معها

إن المراهق الذي يعيش فراغًا عاطفيًا أو تربويًا، أو يجد صعوبة في التواصل مع أسرته، يصبح أكثر انجذابًا لخطابات القبول غير المشروط التي تقدمها المنصات الرقمية. هناك، لا أحد يسأل عن خلفيته، ولا أحد يحاسبه على اختياراته، بل يكفي أن يلتقط صورة أو يسجل مقطعًا قصيرًا ليحصل على تفاعل يملأ جزءًا من احتياجاته النفسية. وهكذا يتحول المظهر إلى لغة، واللغة إلى هوية، والهوية إلى انتماء جديد لا يشبه ما عرفته الأجيال السابقة.

لكن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يكون صداميًا أو قائمًا على التخويف. فالمظهر الجندري الجديد ليس تهديدًا مباشرًا، بل مؤشر على تغير أعمق في علاقة الجيل الجديد بالهوية والرموز الثقافية. المطلوب هو بناء مقاربة تربوية هادئة، تعيد الاعتبار للهوية المتوازنة، وتمنح الشباب أدوات لفهم العالم الرقمي بدل الخوف منه. تبدأ هذه المقاربة من المدرسة، عبر إدماج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج، وتعليم الطلاب كيفية تحليل الصور والرموز، وفهم الخوارزميات، والتمييز بين المظهر والهوية.

– ما هي أدوار البيت والمدرسة لإيجاد حلول تشاركية

كما تحتاج الأسرة إلى تجديد أساليب التواصل، لأن المراهق الذي لا يجد مساحة للحوار داخل بيته سيبحث عنها في مكان آخر، وغالبًا سيجدها في الإنترنت. الحوار الهادئ، غير المتشنج، هو ما يمنح الشاب القدرة على التعبير عن أسئلته دون خوف، وعلى بناء هوية متوازنة لا تتأرجح بين التقليد الأعمى والرفض المطلق.

أما المدرسة، فهي مطالبة بأن تكون فضاءً ثقافيًا يقدم نماذج شبابية إيجابية، ويخلق محتوى بديلًا قادرًا على منافسة المحتوى العالمي، ويمنح الطلاب أنشطة فنية وثقافية تعزز انتماءهم، وتفتح أمامهم أبوابًا للتعبير الإبداعي، بدل أن يظلوا أسرى ما تفرضه عليهم المنصات الرقمية.

وهنا، في قلب هذا المشهد المتحوّل، تبدو الحاجة ملحّة إلى أن تعيد المؤسسات التربوية صياغة علاقتها بالشباب، لا بوصفها سلطة تُصدر الأوامر، بل بوصفها شريكًا في رحلة البحث عن الذات. فجيل اليوم لا ينتظر منّا أن نخبره كيف يكون، بل ينتظر أن نفهم لماذا أصبح كما هو، وأن نمنحه الأدوات التي تساعده على أن يرى العالم بوضوح، وأن يرى نفسه بوضوح أكبر. إن المظهر الجندري الجديد ليس إعلانًا عن قطيعة مع المجتمع، بل صرخة غير منطوقة تقول:
“أريد أن أجرب… أريد أن أُفهم”.

والمجتمع الذي لا يسمع هذه الصرخة، ولا يلتقط إشاراتها، سيجد نفسه أمام فجوة تتسع يومًا بعد يوم. أما المجتمع الذي يملك شجاعة الإصغاء، وشجاعة المراجعة، وشجاعة بناء خطاب تربوي جديد، فإنه سيحوّل الظاهرة من مصدر قلق إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وإعادة بناء الجسور بين الأجيال، وإعادة تعريف التربية بوصفها فعلًا إنسانيًا قبل أن تكون منظومة تعليمية.

– خاتمة

إننا اليوم أمام لحظة فارقة، لحظة تتطلب أن نخرج من دائرة الأحكام السريعة، وأن ننتقل إلى مساحة الفهم العميق. لحظة تقول لنا إن العالم تغيّر، وإن الشباب تغيّروا، وإن التربية يجب أن تتغيّر معهم، لا ضدهم. وإذا نجحنا في ذلك، فإننا لن نحمي أبناءنا من ظاهرة عابرة فحسب، بل سنمنحهم القدرة على مواجهة عالم كامل يتغير كل يوم، وسنمنحهم هوية لا تهتز أمام أي موجة، مهما كانت قوية أو صاخبة.

هذه ليست معركة ضد المظهر، بل معركة من أجل الإنسان. ومن يكسب الإنسان، يكسب المستقبل كله.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...