دفعت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إنشاء حافز ضريبي فدرالي لإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، نقابة الممثلين في كندا إلى مطالبة حكومة رئيس الوزراء مارك كارني بالتحرك العاجل لحماية صناعة الشاشة المحلية، وتقليل اعتمادها الكبير على الاستوديوهات ومنصات البث الأمريكية.
وحذر تحالف فناني السينما والتلفزيون والإذاعة في كندا “أكترا” (ACTRA)، الذي يمثل أكثر من 30 ألف فنان وفنانة في أنحاء البلاد، من أن نجاح الولايات المتحدة في إعادة الإنتاجات الهاربة إلى أراضيها قد يؤدي إلى إفراغ منظومة الإنتاج الكندية من فرص العمل والاستثمارات، إذا لم تعزز أوتاوا دعمها للأفلام والمسلسلات المحلية.
وقالت رئيسة النقابة إليانور نوبل، في بيان صدر الثلاثاء الأول سبتمبر/أيلول 2026، إن الوقت الراهن يجعل التركيز على إنتاج القصص الكندية داخل البلاد أكثر أهمية من أي وقت مضى، مؤكدة أن على كندا دعم صناعتها وإيجاد موقع مستقل لها في السوق العالمية.
وأضافت أن الوقت حان للتعامل مع الثقافة كإحدى صناعاتها الوطنية الكبرى، وليست مجرد قطاع هامشي يمكن أن يظل معتمدا على قرارات المنتجين الأجانب.
وجاء موقف النقابة بعد أن جدد ترامب، الاثنين 31 أغسطس/آب، تأييده تقديم حافز ضريبي فدرالي لجذب إنتاج الأفلام والمسلسلات إلى الولايات المتحدة، في أحدث محاولة لمواجهة انتقال عدد كبير من المشروعات الأمريكية إلى كندا وبريطانيا وأستراليا وغيرها من مراكز التصوير الدولية.
ولا تزال المبادرة الأمريكية في مرحلة الاقتراح، ولم تتحول إلى مشروع قانون أو برنامج ضريبي نافذ، لكن “أكترا ” رأت أن الرسالة الموجهة إلى كندا واضحة، حتى قبل اكتمال الإجراءات الأمريكية، وأكدت أنه يتعين على أوتاوا تقوية قطاعها المحلي فورا.
وقالت النقابة إن القضية لا تقتصر على إعلان ترامب، لأن النقاش بشأن إعادة الإنتاج السينمائي إلى الولايات المتحدة مستمر منذ سنوات، وأن رد كندا على الخطة سيحدد ملامح المرحلة المقبلة.
ترامب يستعين بجون فويت
جدد ترامب اهتمامه بالقضية بعد اجتماع مع الممثل الأمريكي جون فويت، أحد أبرز مؤيديه في هوليوود. وقال عبر منصته “تروث سوشيال ” إن صناعة السينما الأمريكية، تعاني نقصا كبيرا في الإنتاج بسبب غياب الحوافز التي تشجع الشركات على العمل داخل الولايات المتحدة.
ووصف ترامب أوضاع هوليوود بأنها “كارثة كاملة “، معتبرا أن المدينة التي كانت عاصمة صناعة الأفلام في العالم تحصل حاليا على قدر قليل من العمل قياسا باسمها وتاريخها. وأشار إلى أن فويت وشخصيات أخرى في الصناعة اقترحوا إنشاء حوافز ضريبية فدرالية لإعادة إنتاج الأفلام والمسلسلات إلى البلاد، قائلاً إن الاجتماعات يجري ترتيبها مع قادة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لدراسة الفكرة.
ويرى الرئيس الأمريكي أن الأموال التي ستخصصها الحكومة للحوافز يمكن تعويضها أضعافا من خلال الضرائب والعوائد الاقتصادية والوظائف التي ستنشأ عن عودة الإنتاج. وقال إن ما يشاهده الأميركيون على الشاشة ينبغي أن يصنع داخل الدولة التي كانت يوما مركز صناعة السينما في العالم.
وجاءت تصريحاته في ظل استمرار تراجع التصوير داخل لوس أنجلوس. فقد انخفض إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية في المواقع الخارجية بالمدينة بنسبة 13% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، مسجلا 4711 يوم تصوير، وفق بيانات منظمة “فيلم إل إيه ” التي تتابع نشاط التصوير في المنطقة.
ولا تشمل هذه الأرقام جميع الأعمال المنفذة داخل الاستوديوهات المغلقة، لكنها تقدم مؤشرا على استمرار الأزمة التي تعانيها لوس أنجلوس نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، والمنافسة من الولايات الأمريكية الأخرى والدول التي تقدم برامج ضريبية أكثر سخاء، إلى جانب تداعيات جائحة كورونا وإضرابي الكتاب والممثلين في عام 2023.
ووفق تقرير نشرته مجلة هوليوود ريبورتر، يرى مؤيدو المبادرة الأمريكية أن إنشاء ائتمان ضريبي على المستوى الفدرالي أصبح خطوة ضرورية، لأن البرامج التي تقدمها الولايات منفردة لم تعد كافية لمنافسة الحوافز المتاحة في كندا وبريطانيا وأستراليا ومراكز الإنتاج العالمية الأخرى.
5.3 مليارات دولار في كندا
وتكشف أرقام الصناعة حجم المصالح الكندية المعرضة لتأثير أي تحول في السياسة الأمريكية. فقد بلغت قيمة ما يعرف بإنتاجات المواقع والخدمات الأجنبية في كندا 5.3 مليارات دولار خلال موسم 2024-2025، بزيادة تجاوزت 461 مليون دولار مقارنة بالموسم السابق، وفق بيانات جمعية الأفلام السينمائية في كندا.
وتشمل هذه الفئة الأفلام والمسلسلات الأجنبية التي يجري تصويرها داخل كندا، إلى جانب خدمات الإنتاج وأعمال المؤثرات البصرية التي تنفذها شركات كندية لمصلحة استوديوهات ومنصات دولية.
وشكلت الأعمال الأمريكية نحو 87% من إجمالي هذه الإنتاجات، في حين ارتفعت قيمة النشاط الأمريكي في كندا بأكثر من 85% مقارنة بالموسم السابق، مدفوعة جزئيا باستئناف المشروعات التي توقفت أو تأجلت نتيجة إضرابي نقابتي الكتاب والممثلين في هوليوود خلال عام 2023.
وتوضح هذه الأرقام أن عددا كبيرا من الممثلين والفنيين والشركات الكندية يستفيد مباشرة من استمرار انتقال الأعمال الأمريكية إلى شمال الحدود، كما تمتد المنافع الاقتصادية إلى قطاعات تأجير المعدات، وبناء الديكورات، والنقل، والإقامة، والمطاعم، والخدمات التقنية، وما بعد الإنتاج والمؤثرات البصرية.
لكن النسبة المرتفعة للإنتاج الأمريكي تكشف، في الوقت نفسه، درجة اعتماد القطاع الكندي على عميل أجنبي واحد. فإذا غيرت الاستوديوهات الأمريكية وجهتها استجابة للحوافز الجديدة، يمكن أن تخسر المدن الكندية جانبا مهما من نشاطها في وقت قصير.
فرص عمل مرتبطة بالقرار الأمريكي
أقرت “أكترا ” أن أفلام هوليوود ومسلسلاتها التي يجري تصويرها في كندا توفر فرص عمل واسعة لأعضائها وللفنيين والمبدعين والشركات الخدمية المحلية، لكنها حذرت من أن الإنتاج الأمريكي لا يمكن أن يشكل الأساس الوحيد لاستدامة قطاع الإعلام والترفيه الكندي على المدى الطويل.
وقالت النقابة إن كندا تواجه احتمالين يحمل كل منهما مخاطره الخاصة إذا لم تقوّ صناعتها الوطنية. يتمثل الاحتمال الأول في أن تختار الاستوديوهات ومنصات البث الأمريكية إبقاء مشروعاتها داخل الولايات المتحدة للاستفادة من الحوافز الضريبية الجديدة، وهو ما قد يؤدي إلى تقلص فرص العمل وإضعاف البنية الإنتاجية الكندية.
أما الاحتمال الثاني فهو استمرار الشركات الأمريكية في التصوير داخل كندا، مع بقاء القطاع الكندي معتمدا بدرجة متزايدة على عميل أجنبي واحد يتحكم عمليا في حجم النشاط وفرص العمل واتجاهات السوق. وربطت النقابة هذا الوضع بالنقاش الأوسع الذي تشهده كندا حول الاعتماد الاقتصادي الكبير على الولايات المتحدة، في ظل النزاع التجاري المتصاعد بين البلدين. وشددت على أن الاستدامة لا تتحقق فقط بالحفاظ على إنتاجات هوليوود، بل بإنتاج مزيد من الأعمال التي تتناول قصصا كندية ويصنعها كتاب وممثلون ومخرجون ومنتجون كنديون.
معركة نسبة الـ15%
لا تقتصر مطالب نقابة “أكترا” على زيادة الحوافز المقدمة للتصوير، بل تشمل أيضا حماية القواعد التي تلزم منصات البث الأجنبية بإعادة استثمار جزء من إيراداتها في المحتوى الكندي. ودعت النقابة الحكومة الفدرالية إلى تنفيذ وحماية قرار هيئة الإذاعة والتلفزيون والاتصالات الكندية “سي آر تي سي” (CRTC)، المتعلق بإلزام خدمات البث عبر الإنترنت بتخصيص 15% من نفقاتها البرمجية للأعمال الكندية.
ويهدف هذا الشرط إلى ضمان مساهمة منصات البث الدولية في تمويل القصص والمواهب المحلية، بدلا من الاكتفاء بتحصيل الإيرادات من المشتركين الكنديين وعرض محتوى أجنبي عليهم. وبحسب تقرير نشره موقع برودكاست ديالوغ ، أشارت الحكومة الكندية في وقت سابق من الصيف إلى احتمال الابتعاد عن هذه السياسة تحت ضغط أمريكي، مما أثار مخاوف العاملين في قطاع السينما والتلفزيون من تراجع مصدر محتمل لتمويل الإنتاج المحلي.
وترى النقابة أن التراجع عن شرط الإنفاق الكندي، بالتزامن مع تقديم الولايات المتحدة حوافز لإعادة إنتاجاتها، قد يضع القطاع أمام ضغط مزدوج، يبدأ انخفاض محتمل في الأعمال الأمريكية المصورة في كندا، ومن ثم يمتد إلى تراجع الموارد التي يمكن استخدامها لبناء إنتاج وطني مستقل.
وتأتي دعوة ترامب في خضم نزاع تجاري متصاعد بين الولايات المتحدة وكندا، يمتد تأثيره من التعريفات الجمركية والصناعات التقليدية إلى الإعلام والمحتوى الرقمي. وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قد أعلن في أواخر أغسطس/آب عن فشل المحادثات التجارية مع واشنطن.
المصدر: الجزيرة





