الإطفاء معركة استنزاف طويلة.. خسائر بعشرات المليارات في حرائق غابات إندونيسيا

إيطاليا تلغراف متابعة

في جنوب جزيرة سومطرة الإندونيسية، لا تبدو الحرائق مجرد ألسنة لهب تلتهم الأشجار، بل مشهدا ممتدا من الدخان والرماد والأرض المحترقة، في واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

ومن قلب الإقليم، يرصد مراسل الجزيرة صهيب جاسم مشاهد حرائق واسعة اجتاحت الغابات والمناطق الخضراء، في وقت تواجه فيه فرق الإطفاء معركة شاقة مع نيران لا تنطفئ بسهولة، خصوصا في غابات المستنقعات التي تظل النيران مشتعلة في أعماق تربتها حتى بعد إخماد سطحها.

وتقول الإحصاءات الرسمية إن الحرائق أتت على أكثر من 200 ألف هكتار من الغابات والمناطق الخضراء، فيما امتدت الأزمة إلى مناطق أخرى من إندونيسيا، بينها أجزاء من جزيرتي جاوا وكاليمانتان. وتأتي هذه الموجة بعد أشهر من الجفاف المرتبط بظاهرة “إل نينيو”، التي تسببت في ظروف مناخية شديدة الجفاف، ورفعت مخاطر اندلاع الحرائق واتساع رقعتها.

نار تحت الرماد

المشكلة بالنسبة إلى فرق الإطفاء لا تنتهي عند إخماد ألسنة اللهب. ففي مناطق المستنقعات، يمكن للنار أن تتسلل إلى طبقات عميقة من التربة، لتظل مشتعلة بعيدا عن الأنظار، قبل أن تعود إلى السطح بعد ساعات أو أيام. ويقول رجال الإطفاء إنهم يواجهون نمطا متكررا: إخماد حريق في منطقة، ثم عودته للاشتعال من جديد في اليوم التالي.

وهكذا تتحول عمليات الإطفاء إلى معركة استنزاف طويلة، تحتاج إلى مراقبة مستمرة ومياه وموارد بشرية ومعدات قادرة على الوصول إلى مناطق يصعب التحرك فيها.

وتشير التقديرات إلى أن خسائر هذا الموسم قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، في ظل وصفه بأنه أسوأ موسم جفاف تشهده إندونيسيا منذ نحو سبع سنوات، وربما من أشد مواسم الجفاف التي عرفتها البلاد خلال ثلاثة عقود.

ولا تتوقف الخسائر عند المساحات التي تحولت إلى رماد. فالحرائق تضرب قطاعات متعددة من الحياة اليومية، من الصحة والاقتصاد إلى التعليم والنقل والنشاط الاجتماعي. ويثير الدخان المتصاعد من مناطق الحرائق مخاوف صحية واسعة، مع تسجيل عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من حالات الإصابة بأمراض ومشكلات تنفسية مرتبطة بتلوث الهواء.

دخان يتجاوز الحدود

لم يعد الدخان قضية إندونيسية داخلية فقط. فمع انتشار الكتل الدخانية، وصلت آثار الحرائق إلى دول مجاورة في جنوب شرق آسيا، بينها ماليزيا وسنغافورة والفلبين وبروناي. وتطالب هذه الدول بتفعيل آليات التعاون الإقليمي في إطار رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، للتعامل مع ما بات يعرف بالحرائق العابرة للحدود. فالدخان لا يتوقف عند الحدود السياسية، وما يبدأ حريقا في غابة إندونيسية يمكن أن يتحول خلال أيام إلى أزمة بيئية وصحية إقليمية.

وأمام اتساع رقعة الحرائق، لجأت الحكومة الإندونيسية إلى الاستعانة بإمكانات خارجية. ومنحت السلطات تراخيص لعشرات الطائرات الأجنبية للمساعدة في عمليات مكافحة النيران، سواء في إطار المساعدة أو عبر الاستئجار، في محاولة للسيطرة على الحرائق التي اتسعت في عدد من الجزر.

لكن حجم الأزمة يجعل مهمة السيطرة عليها أكثر تعقيدا، خصوصا في المناطق التي يصعب الوصول إليها، وحيث يمكن للنيران أن تبقى كامنة تحت سطح الأرض.

من يحرق الغابات؟

وبينما تنشغل فرق الإطفاء بإخماد النيران، يفتح الناشطون ملفا آخر يتعلق بمسؤولية من يقفون وراء بعض الحرائق. ويقول ناشطون إن ملاحقة المتهمين بإشعال الحرائق قضائيا تظل معقدة، وإن القضايا التي ترفع ضد المتسببين لا تنتهي دائما بعقوبات رادعة، وهو ما يرونه أحد العوامل التي تسمح بتكرار الأزمة.

وهنا تتداخل العوامل المناخية مع العوامل البشرية والاقتصادية، لتتحول الحرائق إلى مشكلة تتجاوز ظاهرة الجفاف نفسها.

وإندونيسيا ليست غريبة على هذا المشهد. فحرائق الغابات الكبرى تكررت في عقود سابقة، من بينها موجات شهدتها البلاد في أعوام 1977 و1982 و1997 و2015، وتركت وراءها خسائر بيئية واقتصادية وصحية واسعة. لكن ما يجعل المشهد الحالي أكثر إثارة للقلق هو اجتماع أكثر من عامل في الوقت نفسه: الجفاف، واتساع المساحات القابلة للاشتعال، وصعوبة السيطرة على حرائق المستنقعات، وانتقال الدخان إلى دول الجوار.

وفي جنوب سومطرة، تبدو الأرض وكأنها تخفي النار أكثر مما تكشفها. أشجار احترقت، ودخان يتصاعد من بين الرماد، وفرق إطفاء تعود إلى المواقع نفسها مرة بعد أخرى. فالمعركة هنا ليست مع نار ظاهرة فقط، بل مع حريق يمكن أن يختبئ تحت الأرض، ينتظر فرصة جديدة للظهور.

ومع استمرار آثار الجفاف، يبقى السؤال الأصعب أمام السلطات الإندونيسية: هل تستطيع إخماد النار قبل أن تتحول من كارثة بيئية محلية إلى أزمة إقليمية واسعة؟

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...