على مدى أكثر من 50 عاما، ساعدت أقمار “لاندسات” (Landsat) التابعة للحكومة الأميركية في رسم خرائط للمعادن ومراقبة التغيرات المناخية على الأرض، والآن تدرس وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) إمكانية نقل الفكرة إلى عوالم أخرى.
فقد حصل مشروع جديد على تمويل أولي من برنامج المفاهيم المبتكرة المتقدمة التابعة لناسا، بهدف تطوير مركبة صغيرة تستطيع مسح الموارد المعدنية في القمر وكويكب قريب من الأرض وقمر المريخ “فوبوس”، وربما زيارة أكثر من هدف خلال مهمة واحدة.
وتكمن أهمية الفكرة في أنها قد تساعد العلماء والمخططين على معرفة ما يوجد في المواقع المستهدفة قبل إرسال مركبات للهبوط أو إقامة قواعد عليها. ويقول الباحث العلمي في معهد “سيتي” (SETI) والباحث الرئيسي للمشروع، بابلو سوبرون: “أكثر ما قد يوقف التعدين الفضائي هو أننا لا نستطيع تحمل تكلفة إثبات وجود شيء يستحق التعدين”.
ويضيف أن الهبوط في المكان الخطأ قد يؤدي إلى خسارة برنامج استكشافي كامل أو شركة، في وقت لا يملك فيه أحد أموالا كافية لإرسال مركبات مرارا على أمل العثور على الموارد.
“مقلاع” بين العوالم بحثا عن المعادن
يحمل المشروع اسم ” مسوحات الموارد بين العوالم بتقنية المقلاع” (Interworld Slingshot Resource Surveys)، ويستهدف في مرحلته الحالية الإجابة عن سؤال أساسي: هل يمكن لمركبة واحدة أن تنتقل بين عوالم مختلفة وتستخدم أداة استشعار واحدة لمسح مواردها من مسافات بعيدة؟
الفكرة لا تزال في مرحلة مبكرة جدا، ولا تعني أن مركبة جاهزة ستنطلق قريبا. فالتمويل الحالي هو دراسة “المرحلة الأولى” لمدة 9 أشهر، حصل خلالها المشروع على ما يصل إلى 175 ألف دولار لدراسة إمكانية استخدام الليزر وأجهزة الاستشعار ونظام توجيه المركبة والدفع والمدارات، تمهيدا لإمكانية الانتقال لاحقا إلى “المرحلة الثانية” التي توفر تمويلا أكبر ولمدة عامين.
وإذا أثبتت الدراسة جدوى الفكرة، فقد تصبح المركبة جزءا من مهمة كبيرة مستقبلا ضمن فئة بعثات “ديسكفري”، وتتنقل بين أهداف متعددة بدلا من تخصيص مهمة كاملة لكل عالم أو جرم سماوي.
ليزر يكشف ما تحت سطح الصخور
يعتمد المشروع على تقنية مطياف “رامان” (Raman spectroscopy)، وهي طريقة تستخدم الضوء للكشف عن التركيب الجزيئي للمواد. ويجري توجيه شعاع ليزر إلى سطح الهدف، ثم تحليل كمية صغيرة جدا من الضوء المرتد الذي يتشتت بطريقة تكشف خصائص المعادن والماء.
وتستخدم هذه التقنية بالفعل في مهام قريبة من السطح، ومنها مركبة “بيرسيفيرانس” التابعة لناسا على المريخ، لكن التحدي الأكبر هو استخدامها من مسافات بعيدة. فظاهرة تشتت “رامان” ضعيفة للغاية؛ إذ لا يتشتت بهذه الطريقة سوى نحو فوتون واحد من كل 10 تريليونات فوتون، ما يجعل التقاط الإشارة وتحليلها من الفضاء مهمة صعبة.
وكانت اختبارات سابقة أجراها فريق سوبرون قد وصلت إلى مسافة نحو120 مترا، بينما ستبحث الدراسة الجديدة إمكانية إجراء قياسات مفيدة من مسافات تتراوح بين 30 و50 كيلومترا. وإذا نجح ذلك، فقد يفتح الباب أمام مسح مواقع واسعة من المدار أو أثناء التحليق بالقرب من الأجرام، من دون الحاجة إلى الهبوط عليها.
الاستكشاف قبل الهبوط
تأتي أهمية “مقلاع الفضاء” في وقت تستعد فيه برامج استكشاف القمر لإنشاء وجود بشري أكثر استدامة خلال العقود المقبلة، بالتوازي مع اهتمام متزايد بدراسة الموارد الموجودة على القمر والكويكبات وأقمار المريخ. فمعرفة أماكن المعادن أو المياه قبل الهبوط يمكن أن تساعد في اختيار المواقع الأكثر فائدة وتقليل المخاطر والتكاليف.
لكن المشروع يظل فكرة بحثية في بدايتها، مثل كثير من مشاريع برنامج المفاهيم المبتكرة المتقدمة الذي مول عشرات الأفكار الطموحة، ولم يتحول سوى عدد محدود منها إلى مهمات فضائية فعلية. ومن أمثلة النجاحات مركبة “سنابي” (SNAPPY) التي وصلت إلى الفضاء في وقت سابق من هذا العام لدراسة الجسيمات الشمسية.
وفي النهاية، تكشف هذه الفكرة جانبا مهما من مستقبل الاستكشاف: فالوصول إلى عالم جديد لا يعني بالضرورة أن تبدأ المهمة بالهبوط عليه، بل قد تبدأ أولا بالنظر إليه وفهم موارده من بعيد.
وبينما لا تزال فكرة “مقلاع الفضاء” في مرحلة الدراسة، فإن تطوير أدوات قادرة على تحويل الضوء إلى خريطة للموارد قد يجعل استكشاف العوالم الأخرى أكثر دقة وأقل مخاطرة، ويمنح العلم دورا أساسيا في تحديد أين وكيف نذهب قبل أن نخطو أول خطوة.
المصدر: الجزيرة





