يخوض حزب الحركة الشعبية الانتخابات التشريعية المقبلة بمدينة فاس برهان سياسي يتجاوز حدود الاستحقاق المقرر في 23 شتنبر، بعدما جمع أمينه العام محمد أوزين أوراقه مع حميد شباط، العمدة الأسبق للعاصمة العلمية، في تحالف يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي المحلي وتحويل “السنبلة” إلى قوة انتخابية حقيقية بالمدينة.
ويبدو أن طموح أوزين يتجاوز الانتخابات التشريعية إلى محاولة عملية لاستقرار حظوظ الحزب مستقبلا في مدينة مليونية، إذ يرغب في معرفة مدى جدوى رهانه على إعادة إحياء اسم “حميد شباط” المختفي، عمليا، عن الساحة السياسية منذ عقد من الزمن، لكنه يظل الرجل الذي يعرف فاس جيدا، على اعتبار أنه كان عمدتها من 2003 إلى غاية 2015، كما ظل عضوا في البرلمان لما يقارب 24 عاما، وذلك إلى حدود 2021.
وتكرس هذا التقارب بين الطرفين خلال لقاء جماهيري نظمه الحزب بجماعة أولاد الطيب، بحضور محمد أوزين وعدد من قيادات الحركة الشعبية، حيث جرى الإعلان عن التحاق حميد شباط وعائلته بالحزب، إلى جانب البرلماني خالد العجلي، في واحدة من أبرز الانتقالات التي شهدها المشهد الانتخابي الفاسي خلال الأسابيع الأخيرة التي تسبق الانتخابات التشريعية.
وجاء هذا التحالف في سياق خاص بالنسبة إلى عائلة شباط، التي عادت إلى الواجهة من بوابة الحركة الشعبية بعدما كانت قد خاضت الانتخابات السابقة بألوان حزب جبهة القوى الديمقراطية، فقد سبق لحميد شباط، بعد مغادرته حزب الاستقلال، أن انضم بدوره إلى جبهة القوى الديمقراطية، بينما تشغل ابنته ريم شباط حاليا عضوية مجلس النواب بألوان الحزب نفسه، قبل أن تحصل على تزكية الحركة الشعبية لخوض الانتخابات المقبلة.
وتبدو ريم شباط في صلب الرهان الانتخابي الجديد للحركة الشعبية بفاس، بعدما منحها محمد أوزين تزكية قيادة لائحة الحزب بدائرة فاس الشمالية، فالبرلمانية التي راكمت حضورا سياسيا وانتخابيا داخل المدينة، تدخل الاستحقاق المقبل باعتبارها من أبرز الأسماء المرشحة للمنافسة بقوة على أحد المقاعد النيابية بالدائرة، مستفيدة من رصيد انتخابي وشعبية راكمتها خلال السنوات الخمس الماضية.
ولم يكن حضور حميد شباط إلى جانب ابنته خلال اللقاء الجماهيري مجرد مناسبة لإعلان الانتقال الحزبي، إذ أظهر حجم التفاعل داخل القاعة أن اسم العمدة الأسبق ما يزال يحتفظ بحضور لدى جزء من أنصاره بالمدينة، فقد تكررت الهتافات المؤيدة لشباط خلال كلمة محمد أوزين، في مشهد دفع الأمين العام للحركة الشعبية إلى التوقف في أكثر من مناسبة قبل استئناف حديثه.
وكان تقديم ريم شباط ضمن مرشحي الحركة الشعبية أكثر اللحظات دلالة على حجم الرهان الموضوع على هذا الاسم، بعدما قابل الحاضرون إعلان ترشحها بالهتافات والتصفيقات، ويعكس ذلك محاولة العائلة الاحتفاظ بجزء من شبكتها الانتخابية التقليدية، في وقت تراهن فيه الحركة الشعبية على هذا الرصيد لتعزيز موقعها داخل واحدة من أكبر المدن المغربية.
غير أن أهمية ترشح ريم شباط بالنسبة إلى الحركة الشعبية لا ترتبط فقط بإمكانية حصولها على مقعد في مجلس النواب، وإنما بعدد الأصوات التي ستتمكن من حصدها في دائرة فاس الشمالية، فالنتيجة الرقمية ستكون، بالنسبة إلى حزب “السنبلة”، مؤشرا على حجم القوة الانتخابية التي يمكن أن يراهن عليها في الاستحقاقات الجماعية والجهوية المرتقبة سنة 2027، وهو ما يتماشى مع مسعى أمينه العام الحالي لنقله من إلى موقع الرباعي الأول في المشهد السياسي المغربي، بما يجعله أحد صناع التحالفات، لا مجرد مكمل لها.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى أوزين، الذي لا يبدو أن رهانه في فاس يقتصر على تحقيق حضور برلماني عبر ريم شباط وخالد العجلي، وإنما يتجه إلى بناء قاعدة انتخابية تمكن الحركة الشعبية من دخول المنافسة المحلية المقبلة بوزن أكبر، وفي هذا السياق، يأتي افتتاح الحزب لمقره الجديد بالمدينة في 2 شتنبر، بحضور قياداته ومناضليه ومرشحيه عن الدائرتين الجنوبية والشمالية، باعتباره جزءا من عملية الاستعداد الميداني للحملة الانتخابية وتعزيز التواصل مع الناخبين.
ويشكل حجم الأصوات التي ستحصل عليها ريم شباط أحد أهم الاختبارات التي ستواجه هذا الرهان، فكلما تمكنت من تحقيق نتيجة انتخابية قوية، كلما قدم ذلك للحركة الشعبية مؤشرا على قدرتها على توظيف الاسم والشبكة الانتخابية المرتبطة بعائلة شباط في الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما الانتخابات الجماعية والجهوية.
أما بالنسبة إلى حميد شباط، فإن نتيجة ابنته قد تشكل بدورها اختبارا لحجم حضوره السياسي بعد سنوات من التواري عن الواجهة. فالرجل الذي تولى رئاسة جماعة فاس وكان أمينا عاما لحزب الاستقلال ما بين 2012 و2017، قبل أن يغادر الحزب وينتقل إلى جبهة القوى الديمقراطية، ابتعد تدريجيا عن مركز المشهد السياسي منذ سنة 2016، رغم استمرار اسمه في التداول داخل الساحة السياسية الفاسية.
ويمكن القول إن “النهاية السياسية” لفترة شباط السابقة كانت “محبطة” بالنسبة له، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من دخول الحكومة إلى جانب غريمه عبد الإله بن كيران الثانية، قبل أن تتسبب تصريحاته حول موريتانيا بعد الانتخابات التشريعية، في إبعاد الحزب نهائيا عن الأغلبية، وهو ما سهل بعد ذلك عملية “البولوكاج” التي أطاحت بابن كيران نفسه، لذلك فإنه يسعى حاليا إلى نوع من “رد الاعتبار” لاسمه وتاريخه السياسي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول الانتخابات التشريعية الحالية إلى محطة لقياس إمكانية عودة شباط إلى الواجهة، ليس بالضرورة من خلال الترشح للبرلمان، وإنما عبر إعادة بناء حضوره السياسي المحلي استعدادا لاستحقاقات 2027، وفي حال أظهرت النتائج أن العائلة ما تزال تتوفر على رصيد انتخابي قوي، فقد يعزز ذلك الرهان على حميد شباط كأحد الأسماء القادرة على لعب دور أكبر في المنافسة المقبلة حول تدبير مدينة فاس أو جهة “فاس – مكناس.
ولا يخفي هذا السيناريو ارتباطه أيضا بقرار شباط عدم الترشح للانتخابات التشريعية الحالية، إذ إن عضوية البرلمان تتنافى مع رئاسة مجالس جماعات المدن الـ13 الكبرى، ولذلك، فإن غياب شباط عن لوائح الانتخابات التشريعية لا يعني بالضرورة ابتعاده عن الاستحقاق السياسي، بل قد ينسجم، في حال تأكد هذا المسار، مع تركيز أكبر على الانتخابات الجماعية المقبلة، خصوصا إذا كان يراهن على أن يعود لمنصب “العمدة”.
وبذلك، يتحول تحالف حميد شباط ومحمد أوزين إلى رهان متعدد المراحل، تبدأ محطته الأولى في 23 شتنبر مع اختبار القدرة على استعادة المقعد البرلماني عبر ريم شباط، لكن نتائجه الأهم قد تظهر سنة 2027، عندما تتحدد قدرة الحركة الشعبية على تحويل الرصيد الانتخابي لعائلة شباط إلى قوة جماعية وجهوية، وما إذا كان هذا التقارب سيعيد في نهاية المطاف حميد شباط إلى سباق عمودية فاس بعد سنوات من الغياب عن مركز القرار السياسي بالمدينة، أو حتى نقله إلى موقع أكبر مثل رئاسة الجهة.
المصدر: الصحيفة





