حديث في السياسة

 

 

 

 

بقلم:  عزيز لعويسي

 

في ظل مشهد حزبي بئيس ”الكل فيه يغني على ليلاه”، من الطبيعي أن يخرج قادة وزعماء سياسيين تباعا، كما تخرج الدببة من سباتها العميق، مستعرضين ما في جعبتهم، من “شطيح” و”رديح” و”هزان لكتاف” و”بكاء”، في مشاهد وصور مؤسفة، فاقدة لأدنى مستويات الحس السياسي والأخلاقي، لم تراع ضحايا العبور الكبير، ولا مشاعر أسرهم المكلومة، ولم تقدر البتة، حالة اليأس المستشري في أوساط شرائح واسعة من الأطفال والشباب، تحول في ذواتهم الوطن، إلى ما يشبه الجدار الفاصل بين الموت والحياة، واليأس والأمل والقيد والحرية والكرامة.

خرجات شعبوية بئيسة، تجعلنا نفهم بدون أدنى جهد أو تردد، ما بات يعيشه قطار التنمية من حالة مأسوف عليها من الإعاقة والارتباك، ما يكرس مغرب السرعتين، ونعي كل الوعي، حالة اليأس التي باتت تنخر جسد المجتمع في صمت، ونستوعب واقع حال جيل صاعد من الأطفال والشباب، باتوا يتقاسمون حلم الفرار من الوطن، تاركين كما حصل في أحداث سبتة المحتلة، جمل السياسة بما حمل، كمن يفر من سلك الجندية، باحثا عن الأمل والتحرر والانعتاق.

من “هزان لكتاف” أمام عدسات الكاميرا، إلى حمى استقطاب نجوم الانتخابات قبل نهاية الميركاتو الانتخابي، ومن صكوك التزكيات الخاضعة لواقع الولاءات والترضيات، بدل منطق الخبرات والكفاءات، إلى حرب التسريبات الباردة، ومن دموع التماسيح  و”لمعاطية” على مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، إلى إشهار سيف  “التفرقيش” و”الترهيب” في وجه الخصوم السياسيين …، مشهد سياسي بئيس بدون هوية ولا تعريف، وقادة وزعماء سياسيون  حربائيون بدون مواقف، أفسدوا السياسة بما تجسده من مسؤولية ومصداقية والتزام،  وحولوا الانتخابات إلى ما يشبه “الموسم”، حيث لا صوت يعلو على صوت البيع والشراء والمساومة والولاء والوليمة والغنيمة والمصلحة والنفاق والكذب والبهتان،  في  تجاهل مأسوف عليه، لما يواجه الدولة من رهانات وتحديات تنموية وسيادية وجيواستراتيجية، وما يتطلع إليه المواطنات والمواطنون، من تعليم فعال وصحة ناجعة وشغل وسكن وكرامة ومساواة وعدالة اجتماعية.

انتخابات اليوم كما الأمس، لم تعد امتحانا ديمقراطيا دافعا في اتجاه إفراز مؤسسات قوية ذات مصداقية قادرة على بناء المغرب الصاعد وخدمة المصالح العليا للوطن وقضاياه الاستراتيجية، بل سارت منصة جذابة، تستقطب الانتهازيين والوصوليين والأنانيين والمصلحيين، وأقصر طريق للصعود السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وقد وصلنا اليوم، حد تحول التزكيات الحزبية إلى ما يشبه صكوك الغفران، ودرجة إقبال أسر وعائلات بأكملها على الترشح للانتخابات، بعدما تحولت مهمة سياسية تمثيلية “تطوعية” إلى ما يشبه “الوظيفة السياسية” ، حيث تتلاقى سبل الريع والمكاسب وتتقاطع مسيلات المصالح والمنافع ما ظهر منها وما بطن.

غياب إرادة حقيقية دافعة نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة والتصدي للفساد بكل تعبيراته، صنع كائنات انتخابية انتهازية أفسدت الانتخابات وعفنت السياسة، وصنعت اليأس وكرست وتكرس الإحساس الفردي والجماعي بفقدان الثقة والمصداقية في الدولة والقانون والمؤسسات،  والمطلوب اليوم، أحزابا سياسية  ديمقراطية حقيقية، تقطع مع واقع الدكاكين السياسية وعرف الزعامات الخالدة، تساهم في التأطير المجتمعي وتقدم حلولا مبدعة ومبتكرة، دافعة في اتجاه كسب رهانات النهوض والإقلاع التنموي الشامل، وجيل جديد من القادة والزعماء السياسيين، مشهود لهم بالخبرة والكفاءة والاستقامة ونكران الذات، قادرين على خدمة مصالح البلاد والعباد، بعيدا عن نعرات الحسابات السياسوية الضيقة، مع الدفع في اتجاه تحصين المسلسل الانتخابي من فساد الفاسدين وعبث العابثين، كمدخل أساس لبناء مؤسسات تمثيلية قوية ذات مصداقية، قادرة على صياغة سياسات عامة وعمومية صانعة للأمل ومعبرة عن مغرب جديد، يواجه رهانات وتحديات الصعود.

المغاربة وصلوا اليوم حد التخمة، ولم يعودوا قادرين على تحمل ذات الكائنات الحربائية التي تتحمل مسؤولية ما طال ويطال قطار التنمية من أعطاب، ولا مستعدين للتعايش لخمس سنوات أخرى، مع نفس البروفايلات التي صنعت اليأس، وجعلت شرائح اجتماعية واسعة تؤمن بحلم الفرار من الوطن، بحثا عن الحقوق والعدالة والمساواة والكرامة، والدولة نفسها، لم يعد مسموحا لها، أن تسمح بما بات يتخلل واقع الممارسة السياسية من عبث وانتهازية وانعدام مسؤولية وقلة حياء، لما لهذا الواقع السياسي المقلق، من تداعيات على اللحمة الوطنية وتأثيرات على السلم الاجتماعي، لأن مفردة الوطن وقيم تامغرابيت، لم يعد لها موضع قدم، في عقليات شرائح واسعة من المواطنين، بات يسكنهم حلم الفرار والهروب الجماعي من الوطن، حتى لو كان ذلك مقرونا بالمخاطرة والموت والهلاك.

على بعد أيام من إطلاق العنان الرسمي لأحصنة الحملة الانتخابية، ستنزل الأحزاب السياسية بيمينها ويسارها ووسطها إلى الساحة، بمن زكته من المرشحين ممن حضوا بشرف الحصول على “صكوك التزكية”، وبما سطرته من برامج انتخابية حبلى بالوعود ما لم نقل بالأكاذيب المعسولة، في ظل مشهد سياسي انتخابي بئيس، يجعلنا نتأسف، على جيل مضى من القادة والزعماء ورجالات الدولة البارزين الذين بصموا التاريخ السياسي والحزبي الوطني الحديث، بقيمة ووزن – على سبيل المثال لا الحصر – علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني وعبدالله إبراهيم والمهدي بن بركة، وحجم عبدالرحيم بوعبيد وعبدالكريم الخطيب وامحمد بوستة وعلي يعتة وأحمد عصمان وعبدالرحمان اليوسفي والقائمة طويلة …

بالعودة إلى الانتخابات وحملتها المنتظرة، ورغم ترسخ قناعة “ليس في قنافد السياسة أملس” في أذهان الكثير من المواطنات والمواطنين، فالعزوف الانتخابي، ليس الحل ولن يكون الحل المناسب، في تمرين انتخابي ديمقراطي، يقتضي المشاركة المواطنة والإقبال المسؤول على صناديق الاقتراع، والاكتفاء بلعب دور الكومبارس أمام الفعل السياسي الانتخابي، لن يجدي نفعا، وربما سيعيد ذات الكائنات الانتخابية إلى المشهد من جديد، والمطلوب اليوم، من الفئة الناخبة، مهما طوقها اليأس والإحبــاط وفقدان الأمل في التغيير، أن تتحمل مسؤولياتها المواطنة، بالانخراط الفعلي في الاستحقاق الانتخابي المرتقب، لاختيار الأصلح والأنسب من الكفاءات والخبرات الجديدة، المشهود لها بالنزاهة والاستقامة ونكران الذات، القادرة على خدمة المصلحة العامة وصناعة الأمل والترافع عن مطالب وانتظارات المواطنات والمواطنين، وإعادة ثقتهم في السياسة والفاعلين فيها…

لكن، وجب التذكير، أن إقناع الفئة الناخبة بطرح أسلحة العزوف والمصالحة مع صناديق الاقتراع، لابد أن توازيه إرادة حقيقية من جانب الدولة، دافعة في اتجاه تطهير العرس الانتخابي من عبث العابثين وفساد الفاسدين، وتفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وحماية المال العام وتجريم الإثراء غير المشروع، وإجراءات من هذا القبيل، لابد أن تكون معززة بتدابير أخرى ذات أهمية بالغة، مرتبطة بإيقاف نزيف المال العام الذي يسيل لعاب “الانتهازيين” و”الديبخشيين” و”البليكيين” و”الفراقشية”…، عبر إعادة النظر في تعويضات  وتقاعد رؤساء الحكومات والوزراء والبرلمانيين وكبار مسؤولي الدولة …، بما في ذلك الدعم المقدم للأحزاب السياسية لتدبير حملاتها الانتخابيـــة، وفي هذا الإطار  يمكن التساؤل: ماذا لو  قلصت الدولة هذه التعويضات إلى أدنى مستوياتها؟  سنكون في حالة التقليص، أمام أموال عامة معتبرة، لن تكون إلا ذات نفع بين على البلاد والعباد، سواء على مستوى الرفع من فرص توظيف الشباب من خريجي الجامعات والتكوين المهني، والتعويض عن فقدان الشغل، أو على مستوى توسيع نطاق الدعم المالي المباشر للفئات الفقيرة والمعـــوزة.

المال العام الذي يلعلع كالرصاص الطائش، وجب ضبطه اليوم قبل الغد، اعتبارا  لتمدد أخطبوط اليأس داخل فئات واسعة من المجتمع، واستحضارا لأحداث الهروب الجماعي، التي كشفت أزمة اجتماعية مقلقة، مهددة للاستقرار والوحدة والسلم الاجتماعي، في ظل جيل صاعد من الأطفال والشباب، فقدوا كل الأحلام داخل الوطن، إلا حلم الهروب والفرار ، بعضهم – كما حدث في مأساة  سبتة المحتلة – قضى في البحر خلال الهروب الجماعي، وبعضهم عاد بشكل اضطراري تحت ضغط الجوع والإهانة والحط من الكرامة في انتظار  فرص أخرى، وبعضهم لازال اليوم، يعيش حالة مأسوف عليها من التشرد  والضياع في هوامش الثغر المحتل، أملا في تحقيق حلم يبدو سرابا… وهذا التصدع الاجتماعي الخطير، وحده يكفي للمطالبة المشروعة بحماية المال العام وتخليص بيضته من أيادي كائنات انتخابية “ديبخشية”،  صانعة لليأس ومكرسة لمغرب الهروب والفرار.

ويبقى السؤال العريض: من يحمي الوطن ومن يدافع اليوم عن قضاياه ومصالحه العليا، في ظل مشهد حزبي سياسي حربائي بدون أخلاق ولا التزام، يحكمه منطق المصالح والمنافع والمكاسب، وفي حضرة جيل صاعد وصل إلى مستويات متقدمة من اليأس والإحباط وانسداد الأفق، يقف اليوم عند عتبة الوطن، منتظرا لحظة هروب وفـــرار  نحو المجهول ..؟ وكيف نكسب رهانات المغرب الصاعد، وننخرط إيجابا في صلب المشاريع التنموية والمبادرات الاستراتيجية الرائدة، التي أطلقها عاهل البلاد بحكمة وصمت وتبصر، في ظل نخب وزعامات سياسية، صانعة لليأس والإحباط ومنتجة لثقافة الفرار، منشغلة اليوم، بقضاياها ومصالحها السياسوية الضيقة، لا بقضايا الوطن ومصالح المواطنين؟

 ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، لا يمكن إلا الأمل والتفاؤل، في ظل قائد الأمة ومهندس بنائها وضامن وحدتها واستقرارها، الملك محمد السادس حفظه الله وسدد خطاه، بمغرب صاعد تعم خيراته المغاربة قاطبـة .. مغرب الكرامة والعدالة والمساواة الاجتماعية .. مغرب محصن من “الفراقشية” و”الديبخشيين” و”الشعبويين” وصناع اليأس .. مغرب المسؤولية والمحاسبة .. مغرب جامع حاضن لكل أبنائه ..

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...