تزكية النفس في ظلال القرآن: سبيل الفلاح والنجاة

 

 

 

 

 

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

يأتي القرآن الكريم بمنهجٍ متكامل لإصلاح الإنسان وبناء شخصيته، ولا يقتصر أثره على هداية العقل وتصحيح الاعتقاد، بل يمتد إلى تهذيب النفس وتطهيرها من أدران الشهوات والأخلاق المذمومة، وترقيتها في مدارج الإيمان والتقوى. ولذلك كانت تزكية النفس من المقاصد العظيمة التي أكدها القرآن الكريم، إذ بها يصلح الفرد، ويستقيم المجتمع، ويحقق الإنسان غاية وجوده في الحياة. وقد جعل القرآن الفلاح مرتبطًا بتزكية النفس، وحذّر من إهمالها، مبينًا أن طريق التزكية يحتاج إلى إيمانٍ صادق ومجاهدةٍ مستمرة، وأن ثماره تمتد إلى صلاح الإنسان في الدنيا والفوز في الآخرة.

ومن مقاصد القرآن: الدعوةُ إلى تزكية النفس البشرية، فلا فلاحَ في الأولى والآخرة إلا بالتزكية، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7 ـ 10]. فالنفسُ بفطرتها مستعدةٌ للفجور الذي يدنّسها ويدسّيها، استعدادها للتقوى التي تطهرها وتزكيها، وعلى الإنسان بعقله وإرادته أن يختارَ أيَّ الطريقين: طريق التزكية، أو طريق التدسية، ولا ريبَ أنّه إذا اختار طريق التزكية فقد اختار طريقَ الفلاح، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14].

وقال سبحانه فيمن يأتي ربه يوم القيامة: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ۝ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 75 ـ 76].

ورسالاتُ الأنبياء جميعاً كان من مقاصدها: الدعوةُ إلى التزكية، ولهذا رأينا موسى عليه السلام يقول لفرعون حين أُرْسِلَ إليه من ربه: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ۝ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 18 ـ 19].

وكان من الشُّعَبِ الأساسية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم: التزكيةُ، كما جاء ذلك في أربع آيات من كتاب الله، منها ما جاء في دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للأمة المسلمة الموعودة قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]. ومنها قوله عز وجل: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]. وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2] (الإيمان بالقرآن الكريم، الصلابي، ص55).

ولا تتم هذه التزكية إلا بفضل من الله وتوفيقه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: 21].

كما لا بدَّ من جهد الإنسان وجهاده، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: 18].

وقد بين القرآن الكريم أثر العبادات في هذه التزكية، كقوله تعالى في أثر الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].

كما بيّن أثرَ الآداب التي حَثَّ عليها القرآن في هذه التزكية المنشودة للأنفس، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].

وقال في أدب الاستئذان: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: 28].

إنّ الأمر الذي لا ريبَ فيه أنّ صلاح الأمم والمجتمعات إنما هو بصلاح أفرادها، وصلاحُ الأفراد إنما هو بصلاح أنفسهم التي بين جنوبهم، وبعبارة أخرى بتزكية هذه الأنفس، حتى تنتقل من «النفس الأمارة بالسوء» إلى «النفس اللوامة»، ثم «النفس المطمئنة»، وهذا يحتاج إلى جهاد، لكنه جهاد غير ضائع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69] (كيف نتعامل مع القرآن، الغزالي، ص85).

مراجع:

  • الإيمان بالقرآن الكريم، الدكتور علي الصلابي، ط1، دار المعرفة، بيروت، 2012م.
  • كيف نتعامل مع القرآن الكريم، الشيخ محمد الغزالي، المعهد العالي للفكر الإسلامي، 1991م.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...