حين تستعيد إسبانيا ذاكرتها الاستعماريّة بالجنسيّة وتنسى مختطفي تيندوف: مفارقة الانتماء بين سجلات 1975 وحق الإنسان في الاعتراف..!

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 أنا ابن البَيْداء والصحراء تعرفني، اختبرت بشرها وشجرها وطيرها وحجرها، وعشت جغرافيتها لا بوصفها موضوعًا للبحث، بل باعتبارها جزءًا من ذاكرتي ووجودي. وأنا صاحب القلم لا أحتاج إلى أجنبي، مهما اتسعت مساحة التأثير التي يملكها، ليرافع نيابةً عني أو يتحدث باسمي في قضية الصحراء الغربية المغربية.
السؤال المشروع هو حول الكيفية التي تُستعاد بها الذاكرة الاستعمارية اليوم، وحول الأشخاص الذين تدخلهم هذه الذاكرة في دائرة الاعتراف، وأولئك الذين تتركهم خارجها.
 فإذا كانت إسبانيا تستعيد، عبر الجنسية، صلات تاريخية بأشخاص ارتبطوا بالمجال الذي كانت تسيطر عليه قبل انسحابها سنة 1975، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
وماذا عن المختطفين المحتجزين في مخيمات تيندوف؟ هل ستمنحهم إسبانيا الجنسية هي الأخرى؟ أم ستتذرع بأنهم لم يكونوا يومها من سكان الأقاليم التي كانت خاضعة للإدارة الإسبانية، وأن صلتهم بالمجال الاستعماري الإسباني لا تستوفي شروط الاعتراف نفسها؟
 قد يبدو السؤال للوهلة الأولى خارج الموضوع، لكنه في الحقيقة يضع معيار الجنسية نفسه أمام اختبار صعب. فإذا كانت الصلة بالماضي الاستعماري يمكن أن تتحول إلى أساس للاعتراف القانوني بالانتماء، فماذا عن أشخاص كانت حياتهم ومصائرهم مرتبطة مباشرة بالتداعيات التي خلفها ذلك الماضي، ثم اختفوا من سجلاته لأنهم لم يكونوا في الموقع الإداري الصحيح عندما غادرت إسبانيا المنطقة سنة 1975؟ هل تكفي حدود السجل الاستعماري لتحديد حدود الذاكرة الإنسانية؟
 هنا تصبح تيندوف «الحالة الكاشفة» لهذه المفارقة. ففي الذاكرة المحلية للمناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية روايات وشهادات عن اختطاف أعداد كبيرة من المدنيين خلال سنوات النزاع من طاطا وأقا وفم الحصن وفم زكيد وتيسنت ومغيميمة والمحاميد الغزلان وزاكورة والرشيدية والطانطان والسمارة وبوجدور والداخلة وغيرها من المناطق المتاخمة للحدود مع الجزائر.
مغاربة كانوا في الأصل مدنيين يمارسون أعمالهم وحياتهم اليومية؛ فيهم النجار والبناء والحلاق والخباز والحرفي والراعي والفلاح والجزار وغيرهم، قبل أن يجدوا أنفسهم في فضاء لم يختاروه ولم يملكوا قرار مغادرته.
 وكان بعض هؤلاء يُعرفون باسم «الفقراء»، ويُستخدمون في أعمال الخدمة داخل المخيمات، ومنها إعداد الطعام وسائر الأعمال اليومية.
ثم تحولت المخيمات، مع مرور الزمن، إلى فضاء اجتماعي وسياسي وعسكري مغلق، نشأت داخله أجيال لم تختر مكان ولادتها ولا الخطاب الذي تلقتْه، وتعرض بعض الأطفال والشباب للتلقين والتعبئة والتدريب العسكري منذ سن مبكرة.
وهكذا لم تعد المسألة تتعلق فقط بمن اختُطف في زمن الحرب، بل أيضًا بأجيال وُلدت داخل واقع لم تصنعه.
 وتبقى هذه الذاكرة مثقلة كذلك بصور العنف والقتل والتمثيل بجثث عناصر الدرك والقوات المساعدة والوقاية المدنية وغيرهم ممن سقطوا خلال سنوات المواجهة. وهي وقائع تركت آثارًا عميقة في ذاكرة الأسر والمناطق التي عاشت تلك المرحلة.
واستحضارها هنا ليس دعوة إلى الكراهية ولا رغبة في إعادة إنتاج الصراع، وإنما دفاع عن حق الذاكرة في ألا تُنتقى منها الصفحات التي تخدم رواية معينة وتُمحى الصفحات التي تزعجها.
 ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح وضع مختطفي تيندوف كاشفًا لمفارقة معيار الذاكرة الاستعمارية. فبعض هؤلاء ينحدرون من مناطق كانت خاضعة خلال الحقبة الاستعمارية للنفوذ الفرنسي لا للإدارة الإسبانية المباشرة.
ولذلك فإن حصر الاعتراف التاريخي في الصلة الإدارية التي كانت تربط الشخص بالمجال الإسباني سنة 1975 قد يستبعد بشرًا عاشوا في الجغرافيا نفسها أو في محيطها، ثم دفعتهم الحرب والنزاع إلى مصائر لم يختاروها.
 وهنا تظهر، في مرتبة ثانية، مشكلة أخرى في توصيف هؤلاء المحتجزين. فقد كنت دائمًا ضد اختزالهم في وصف «المغرَّر بهم» أو «الخونة» من دون تمييز. فالتغرير يفترض إرادة قائمة يمكن التأثير فيها، بينما المختطف والمحتجز يكون قد فقد أصلًا جزءًا جوهريًا من شرط الاختيار، أي الحرية.
ولذلك فإن وصف المختطف بأنه «مغرَّر به» يحمل تناقضًا مفهوميًا؛ إذ كيف ننسب إلى الإنسان اختيارًا ثم نغفل أن حريته في الاختيار كانت قد انتُزعت منه؟
 لكن هذه الحجة لا تعني تبرئة كل من يوجد في المخيمات من المسؤولية. فالتمييز ضروري بين من اختار بإرادته أن يحمل السلاح أو ينخرط في العنف وبين من اختُطف أو أُكره، وبين من وُلد في المخيم وبين من صنع منظومته السياسية والعسكرية. كما أن الطفل الذي وُلد هناك لا يمكن تحميله مسؤولية الحرب التي سبقته أو الرواية التي فُرضت عليه قبل أن تتاح له فرصة تكوين اختياره الخاص.
 غير أن كل هذه الأسئلة تعود في النهاية إلى النقطة التي بدأ منها المقال: الجنسية الإسبانية. فإذا كانت إسبانيا تستدعي ذاكرتها الاستعمارية لتحديد دوائر جديدة للانتماء والاعتراف، فإن العدالة التاريخية تقتضي أن نسأل عن حدود هذا المعيار نفسه.
هل تُقاس صلة الإنسان بالتاريخ فقط بما إذا كان اسمه موجودًا في السجل الإداري الاستعماري؟ أم يمكن أن تكون المعاناة التي ترتبت على ذلك التاريخ، والاقتلاع الذي أصاب الإنسان بسبب النزاع الذي خلفه، جزءًا من الذاكرة التي ينبغي أن تُرى وتُسمع؟
 ليس المطلوب أن تمنح إسبانيا الجنسية لكل من كانت له صلة، مباشرة أو غير مباشرة، بتاريخ المنطقة؛ فالجنسية قرار قانوني تحكمه شروط ومعايير محددة. لكن المطلوب هو الاتساق في معيار الاعتراف: إذا أصبحت الذاكرة الاستعمارية أساسًا لاستعادة الانتماء لبعض الأشخاص، فلا ينبغي أن تتحول في الوقت نفسه إلى ذاكرة انتقائية ترى أسماءً وتغفل أسماء أخرى، وتستعيد صلاتٍ تاريخية وتترك ضحايا تلك المرحلة خارج دائرة الاعتراف.
 ومن هنا فإن السؤال ليس: لماذا لا تمنح إسبانيا الجنسية للمختطفين في تيندوف بدلًا من غيرهم؟ بل السؤال الأدق: ماذا تقول هذه الجنسية عن الطريقة التي نعيد بها اليوم ترتيب الذاكرة الاستعمارية؟ ومن يحق له أن يدخل سجل الانتماء حين يُعاد فتح ذلك السجل بعد نصف قرن؟ وأين يقف الإنسان الذي لم يكن حاضرًا في دفاتر 1975، لكنه دفع من حياته ثمنًا باهظًا لما وقع بعد ذلك التاريخ؟
 إن مختطفي تيندوف لا يمثلون تفصيلًا هامشيًا في هذا النقاش، بل يمثلون الحالة التي تكشف حدود المعيار نفسه. فإذا كانت الجنسية أداة لاستعادة صلة تاريخية، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا تصبح الذاكرة الاستعمارية انتقائية. وإذا كان الاعتراف يُبنى على الماضي، فلا ينبغي أن يُمحى من هذا الماضي أولئك الذين وجدوا أنفسهم، بفعل الحرب والنزاع، خارج السجل الذي يحدد اليوم من يستحق أن يُعترف بانتمائه ومن لا يستحق.
 وهنا تعود المسألة إلى سؤالها الأول، ولكن بصورة أكثر إلحاحًا: وماذا عن المختطفين المحتجزين في مخيمات تيندوف؟ هل ستتسع الذاكرة الإسبانية لهم أيضًا، أم ستظل سجلات سنة 1975 هي الحد الفاصل بين من يمكن أن يستعيد انتماءً تاريخيًا ومن لا يمكنه ذلك؟
فالمفارقة ليست في الجنسية وحدها، وإنما في معيار الذاكرة الذي يجعل بعض الأسماء قابلة للاستعادة، بينما يظل آخرون، رغم ما عاشوه من اقتلاع واحتجاز، خارج سجل الاعتراف.
 ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا في نهاية هذا النقاش هو:
إذا كانت إسبانيا قادرة اليوم على أن تستعيد بعض صفحات ماضيها الاستعماري عبر الجنسية، فهل تستطيع أن تستعيد معها أولئك الذين لم تحفظهم دفاتر ذلك الماضي الأليم، لكنهم دفعوا ثمنًا من مآسيه؟ هنا بالضبط يصبح الاعتراف بالجنسية اختبارًا للإنصاف التاريخي، لا مجرد إجراء قانوني يستبطن القمّة في الخبث السياسي.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...