في 12 سبتمبر/أيلول 2026 وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في العاصمة الأيرلندية دبلن إلى جانب رئيس الوزراء مايكل مارتن، وقال بلهجة باردة إن الحوثيين “اتصلوا بنا، وهم لا يريدون القتال معنا “، مضيفا أن الجماعة “تسمح بمرور السفن ” وأن الوضع “سيسير على ما يرام وبشكل رائع “.
جاءت هذه التصريحات في اللحظة التي كانت فيها القوات الحوثية قد استكملت سيطرتها على بلدة ذو باب الساحلية وجزيرة بريم (ميون) التي تقسم مضيق باب المندب إلى ممرين ملاحيين، عقب استيلائها على ميناء المخا الإستراتيجي، مما منحها وجودا مباشرا عند مدخل أحد أهم الممرات المائية في العالم.
ولم يكن ترمب يتحدث من فراغ بل في سياق إعلان حوثي بمحاصرة إمدادات النفط السعودي إلى آسيا والسفن التجارية السعودية، بما يحمل دلالة سقوط معادلة “الأمن مقابل النفط ” في صيغتها التقليدية.
ما يجري عند باب المندب ليس حدثا معزولا، بل الفصل الأخير في سلسلة طويلة من التراجع الأمريكي عن التزاماته الأمنية في الخليج، تلك الالتزامات التي شكلت لعقود العمود الفقري لمعادلة “الأمن مقابل النفط ” التي حكمت العلاقة بين واشنطن ودول الخليج منذ السبعينات
إن هذه اللحظة لا تمثل موقفا سياسيا عابرا، بل تختصر تحولا إستراتيجيا عميقا في المشهد الأمني الإقليمي: الولايات المتحدة تختار عدم التدخل العسكري المباشر ضد جماعة مسلحة مصنفة إرهابية تسيطر على أحد أهم مضائق العالم، وتتجاوز في تصرفاتها منطق الردع الكلاسيكي.
وما يجري عند باب المندب ليس حدثا معزولا، بل الفصل الأخير في سلسلة طويلة من التراجع الأمريكي عن التزاماته الأمنية في الخليج، تلك الالتزامات التي شكلت لعقود العمود الفقري لمعادلة “الأمن مقابل النفط ” التي حكمت العلاقة بين واشنطن ودول الخليج منذ السبعينيات.
تصريحات ترمب: المحتوى والسياق الإستراتيجي
في تصريحاته في دبلن، قال ترمب إن الحوثيين تواصلوا مع الإدارة الأمريكية وأبدوا رغبتهم في عدم التصادم مع واشنطن. وصرح بأن الجماعة “تسمح بمرور معظم السفن “، وأن المشكلة تنحصر في “دولة واحدة ” لم يسمها -في إشارة واضحة إلى السعودية- ووعد بأنه “سيتكفل بتصحيح ذلك “.
كما تحدث عن مضيق هرمز، مؤكدا أن الولايات المتحدة تتمتع بـ “سيطرة محكمة ” على المضيق، وأن نحو 25 سفينة تعبره يوميا في المتوسط، رغم نفي المصادر البحرية لذلك.
وفي السياق الميداني، جاءت تصريحات ترمب لتؤكد قلق الحوثيين من استعمال القوة الأمريكية، وأن ما يخيفهم هو الردع الأمريكي الذي استنزف وكيلهم الإقليمي الإيراني وأنهم كانوا مستعدين للمساومة كما خضعوا للشروط الأمريكية في 2025.
ومن جهة ثانية كشفت توجيهات ترمب -كما نقلها مسؤولون عسكريون ومدنيون أمريكيون- عن هرم أولويات يعكس إعادة ترتيب درامي للمشهد: التركيز على إيران بوصفها التهديد الرئيسي، وتأمين مضيق هرمز بوصفه الشريان الحيوي لتدفق النفط والغاز، وتجنب فتح جبهة عسكرية إضافية في اليمن.
إن هذه الأولويات تكشف عن منطق إستراتيجي ضيق: فمن منظور واشنطن، لا يعد باب المندب مسارا حيويا للنفط الأمريكي بقدر ما هو مسار لتدفق النفط نحو الصين والأسواق الآسيوية التي تنافس الاقتصاد الأمريكي.
وبما أن ترمب يرى أن الحوثيين “لا يستهدفون السفن الأمريكية “، فإن التدخل المباشر يعتبر -من منظوره- استنزافا غير مبرر لقوات أمريكية منهكة أصلا في الجبهة الإيرانية.
ولا يمكن فصل تصريحات ترمب عن سياقها المحلي، فالحرب الأمريكية الإيرانية غيرت شعبيته داخل الولايات المتحدة، وأدت إلى تآكل الدعم السياسي للرئيس بعد أن وعد بإبقاء بلاده خارج حروب الشرق الأوسط.
ووفقا لما نقله تقرير في لوس أنجلوس تايمز ، قال ترمب لشبكة فوكس نيوز إنه “ربما لا يفعل ذلك بسبب الانتخابات “، في إشارة إلى تجنب التصعيد العسكري قبل انتخابات الكونغرس.
إن فتح جبهة يمنية جديدة قد يعقد أوضاع الجمهوريين في سباقات مجلسي النواب والشيوخ المتقاربة، مما يجعل أي توسع عسكري جديد مغامرة بلا عائد سياسي واضح.
وفي المواجهة الدبلوماسية الموازية، حرصت الأوساط السعودية على نفي مزاعم شبكة “أكسيوس ” من أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين هاتفيين بالرئيس ترمب عشية السيطرة الحوثية على الساحل يوم الخميس (10 سبتمبر/أيلول)، حثه فيهما على شن ضربات ضد الحوثيين وأن الطلب قوبل بالرفض.
وأكدت المصادر على أن تقرير أكسيوس نفسه في 29 يوليو/تموز الماضي عن زيارة الأمير خالد بن سلمان لواشنطن، وتأكيدها أن الأمير خالد أبلغ نائب الرئيس الأمريكي بأن المملكة قادرة على إدارة المواجهة مع الحوثيين بنفسها، ولا تحتاج إلى تدخل عسكري أمريكي. وهو ما تعتبره المصادر تناقضات باراك رافيد (من أكسيوس).
ويرى المراقبون في الرياض أن الموقف الأمريكي المتحفظ يمكن قراءته في سياق توجه أمريكي أوسع يتمثل في عدم نية الإدارة القيام بعمل عسكري مباشر ضد الحوثيين “في الوقت الراهن “.
وفي الوقت نفسه توجه الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إلى الرياض لإجراء محادثات تنسيقية عاجلة، حيث قابل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إشارة إلى أن واشنطن تسعى إلى “تكثيف دعمها ” للسعودية مع تجنب الانخراط العسكري المباشر، وهي صيغة مفهومة في الرياض.
وكان ترمب قد حاول تهدئة المخاوف السعودية بوصف ولي العهد بأنه “صديق جيد ” له، ووعد بأن “كل شيء سينتهي على ما يرام “. لكن هذه العبارات المطمئنة لم تقابل بأي التزام عسكري محدد، ولم يعلن البيت الأبيض عن أي ضمانات صريحة لحماية البنية التحتية للطاقة السعودية أو طرق الملاحة البحرية.
إن فتح جبهة يمنية جديدة قد يعقد أوضاع الجمهوريين في سباقات مجلسي النواب والشيوخ المتقاربة، مما يجعل أي توسع عسكري جديد مغامرة بلا عائد سياسي واضح
إن التمنع الأمريكي عن الانخراط في عملية لتحييد باب المندب يمكن ربطه بالاعتبارات الانتخابية النصفية التي يتراجع فيها موقف الجمهوريين.
لكن لا يمكن فصله عن سلسلة من القرارات الأمريكية السابقة التي أظهرت تراجعا متزايدا في الالتزام الأمني الأمريكي في الخليج: ففي ولايته الأولى لم يبدِ ترمب أي رد فعل على هجوم 2019 على أرامكو الذي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه ويعتقد أنه جاء من الفصائل العراقية شمالا، وأدى في حينه إلى تعطيل نصف إمدادات النفط السعودي مؤقتا.
وفي فبراير/شباط 2026، انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في مهاجمة إيران دون التشاور مع حلفائها الخليجيين، ومنذ ذلك الحين واجهت صعوبات متزايدة في الدفاع عن حلفائها ضد الهجمات الإيرانية.
وفي الوقت الراهن تبدو القوات الأمريكية منشغلة بشدة حول مضيق هرمز، مما حد من قدرتها على الاستجابة لجبهة يمنية إضافية.
ومن المفارقة أن واشنطن، وهي غارقة في هرمز اليوم، تبدو هي نفسها بحاجة إلى المساعدة السعودية في تطويق الشغب الإيراني عند باب المندب وليس العكس.
لقد صدت الرياض منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي الضغوط الأمريكية كافة للانخراط في مواجهة إيران لسببين: الأول أنها تدرك أن هذا الطلب ينطوي على أهداف ضمنية تتصل بإظهار الجبهة السعودية وكأنها ملتحمة بالجبهة الإسرائيلية، والثاني أنها لم تُستشر في تفجير هذه الحرب وليس لديها الاستعداد للاستنزاف في حرب بأهداف إسرائيلية.
سقوط المظلة الأمريكية ومصير معادلة “الأمن مقابل النفط “
قامت العلاقة الأمريكية الخليجية منذ السبعينيات على معادلة ضمنية واضحة: تقدم الولايات المتحدة المظلة الأمنية لحماية دول الخليج وممرات الطاقة، مقابل ضمان تدفق مستقر للنفط بأسعار معقولة إلى الاقتصاد العالمي.
كانت هذه المعادلة تحالفية في جوهرها: أمن الخليج هو أمن النفط، وأمن النفط هو أمن الاقتصاد الغربي، ولم تكن تفاهما ثنائيا بين الرياض وواشنطن فحسب، بل ركيزة في النظام الدولي للطاقة، ضمنت استقرار الأسواق العالمية لعقود.
وتتراكم اليوم مؤشرات كثيرة على أن هذه المعادلة في طور الانهيار:
أولا، التخلي الإستراتيجي: إن رفض ترمب الانخراط في الدفاع عن باب المندب، وتصريحه العلني بالاستجابة لطلب الحوثيين بالابتعاد عن الصراع مقابل مرور السفن الأمريكية -وهو ما يعد صفقة سياسية بكل المقاييس- يمثل لحظة فاصلة.
فلأول مرة تتلكأ الولايات المتحدة بوضوح في الدفاع عن أمن الطاقة وعن حليف محوري في منظومة الطاقة العالمية ضد تهديد مباشر يطال بنية الطاقة العالمية، هذا ليس ترددا مؤقتا، بل إعادة تعريف للالتزام الأمريكي.
ثانيا، إعادة توجيه الأولويات: إن تركيز واشنطن على مضيق هرمز وتجنب جبهة يمنية يكشف عن رؤية أمريكية جديدة: لا مظلة شاملة، بل حماية انتقائية للمصالح الأمريكية المباشرة فقط.
فمضيق هرمز مهم لأنه ينقل النفط الخليجي إلى الأسواق التي يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي، بينما باب المندب -من منظور ترمب- يخدم بشكل أساسي الصادرات إلى الصين وآسيا، وهي مصالح لا تستحق، في حسابات واشنطن، استثمارا عسكريا إضافيا.
ثالثا، الإرهاق العسكري: إن الجيش الأمريكي منهك من الحرب مع إيران، ومخزوناته من الصواريخ الاعتراضية المتطورة مستنزفة. هذا الإرهاق ليس ظرفا مؤقتا بل بنية هيكلية تعكس عجزا متزايدا عن إدارة جبهات متعددة.
رابعا، العامل الانتخابي الداخلي: إن تراجع دعم ترمب السياسي بسبب الحرب الإيرانية يجعل أي توسع عسكري جديد مكلفا سياسيا، إن المعادلة هنا مقلوبة: ما كان يوما ضمانا للأمن الخليجي (القوة الأمريكية) أصبح اليوم رهينة لحسابات انتخابية داخلية.
إن التصريحات والتطورات الحالية لا تعني بالضرورة السقوط الكامل والنهائي لمعادلة “الأمن مقابل النفط “، لكنها تعني تحولها الجذري من معادلة أمريكية-خليجية ثنائية إلى معادلة متعددة الأطراف أكثر تعقيدا.
فالمظلة الأمريكية لم تلغ، بل تقلصت: لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقوات في المنطقة، ولا تزال تركز على مضيق هرمز، لكن الالتزام لم يعد شاملا ولا غير مشروط
وهنا ينبغي أن نسأل: هل يعني ذلك السقوط النهائي للمعادلة؟
إن التصريحات والتطورات الحالية لا تعني بالضرورة السقوط الكامل والنهائي لمعادلة “الأمن مقابل النفط “، لكنها تعني تحولها الجذري من معادلة أمريكية-خليجية ثنائية إلى معادلة متعددة الأطراف أكثر تعقيدا.
فالمظلة الأمريكية لم تلغ، بل تقلصت: لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقوات في المنطقة، ولا تزال تركز على مضيق هرمز، لكن الالتزام لم يعد شاملا ولا غير مشروط.
التحوط الإستراتيجي السعودي
منذ سنوات، والرياض تبحث البدائل في إطار التحوط الإستراتيجي، فإعلان الرياض عن تشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يضم 14 دولة (تركيا، باكستان، مصر، السودان، جيبوتي، وغيرها) يمثل محاولة لملء الفراغ الأمني الأمريكي. وهذا التحالف مطوق بالقوات البحرية الأمريكية أو الأوروبية المتواجدة في محيط المضيق ضمن تحالفات غربية مماثلة.
وفي مسار مواز، تعمل السعودية على تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية، وتطوير قدراتها البحرية، والسعي إلى علاقات دفاعية مع دول أخرى -تركيا وباكستان- بما في ذلك توقيع ما عرف بـ “التحالف الإستراتيجي للدفاع المشترك ” مع باكستان، ثم تحالف مكة مع تركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026.
إن ما نشهده ليس نهاية المظلة الأمريكية بالمعنى الكامل، بل انتقالها من “ضمان شامل ” إلى “دعم مشروط ومحدود “، وهو ما يفرض على دول الخليج إعادة التفكير في منظومة أمنها الجماعي.
الموقف السعودي من تجاهل الدول الصناعية لأمن الإمدادات
تواجه السعودية اليوم واحدا من أدق التحديات الأمنية: الحوثيون يسيطرون على باب المندب ويخنقون التجارة السعودية، ويتجاوز الأمر حدود إعلان الحرب، فقد وجهوا بالفعل هجمات بطائرات مسيّرة وصاروخية نحو الأراضي السعودية.
وقد انخفضت صادرات النفط السعودية إلى آسيا من نحو 3.4 ملايين برميل يوميا في يونيو/حزيران إلى 128 ألف برميل يوميا فقط في أغسطس/آب، قبل أن تتعافى جزئيا إلى 700 ألف برميل يوميا في الشهر الجاري. وفي ظل هذا التعثر، تجاوز سعر النفط 107 دولارات للبرميل، وارتفع سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 35%.
والخطر الحقيقي هو تزامن اختناقين بحريين معا: هرمز (نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية) شبه مغلق بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، وباب المندب (10-12% من النفط العالمي) تحت سيطرة الحوثيين، وإغلاقهما معا يهدد بحجب نحو ربع الإمدادات العالمية.
وحتى دون إغلاق كامل، يفرض التهديد المستمر “علاوة مخاطر ” دائمة على الأسعار، بحسب المحللين الاقتصاديين. والمفارقة أن السعودية، رغم استفادتها الآنية من ارتفاع الأسعار، تتضرر إستراتيجيا، لأن رؤية 2030 تراهن على الاستقرار والاستثمار الأجنبي والسياحة، لا على عائدات نفطية مؤقتة ناتجة عن حرب تهدد الأمن الإقليمي.
كانت الرياض قائدة استقرار الأسواق النفطية، وسخرت صادراتها بوصفها المنتج المرجح، في أوقات كثيرة، لحماية أسواق الطاقة من التقلبات.
لكنها اليوم -في ظل عدم اكتراث الدول الصناعية بأمن الإمدادات وتجاهلها للتحديات التي تواجه منابع وخطوط الطاقة- لا يمكنها أن تتجاوز الأخطار التي تواجه أمنها وسيادتها ومصالح شعبها من أجل دول غير مكترثة بأمن الإمدادات وجيوسياسية الطاقة.
ولذا وفي تصريحات ذات دلالة إستراتيجية عميقة، أعلنت في سياقات سابقة أنها “لن تتحمل مسؤولية أي اضطرابات أو نقص في إمدادات النفط العالمية ” نتيجة الهجمات الحوثية على منشآتها النفطية.
هذا الموقف ليس مجرد تحذير، بل إعادة تعريف للعقد الاجتماعي الضمني مع الحلفاء: لم تعد السعودية مستعدة لأن تكون الضامن الأخير لاستقرار أمن الطاقة العالمي دون مقابل.
إنها تشير بوضوح إلى أن المجتمع الدولي -وبخاصة الدول الصناعية الكبرى المستفيدة من تدفق النفط- يجب أن تتحمل مسؤولية المشاركة في حماية الممرات البحرية، لا أن تكتفي بالاستهلاك بينما تتحمل الرياض وحدها كلفة الحماية.
“المسؤولية الجماعية ” كعقيدة أمنية جديدة
كرست وزارة الدفاع السعودية هذا التوجه في بيانها حول التحالف البحري المقترح، إذ أكدت أن “أمن طرق الملاحة البحرية الدولية مسؤولية جماعية تتطلب شراكة دولية فعالة ومستدامة “.
هذه ليست مجرد دعوة دبلوماسية، بل إعادة صياغة للعقد الأمني الإقليمي: السعودية لا تطلب مساعدة الدول الصناعية في الدفاع عن مصالحها، بل تطالبها بالمساهمة في الدفاع عن مصالحها هي نفسها، مصالحها في استمرار تدفق النفط الذي تعتمد عليه اقتصاداتها.
وقد أعلنت السعودية في يوليو/تموز 2026 عن إطلاق “التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات ” الذي يضم 14 دولة مؤسسة (السعودية، الكويت، البحرين، قطر، باكستان، تركيا، مصر، الأردن، اليمن، بنغلاديش، نيجيريا، السودان، جيبوتي، الصومال).
وشارك في اجتماع التأسيس في الرياض 43 دولة ومنظمة على الأقل. ولعل هذا التحالف يشكل منعطفا مهما، إذ يمثل اعترافا سعوديا ضمنيا بأن المظلة الأمريكية لم تعد كافية، وأن على الرياض بناء قدراتها الأمنية الذاتية مع حلفائها الإقليميين.
باب المندب اليوم ليس مجرد مضيق بحري، بل مرآة تعكس نهاية حقبة وبدء أخرى: حقبة لم يعد فيها الأمن الخليجي هبة أمريكية، بل مسؤولية جماعية تبحث عن صيغ جديدة لم تكتمل بعد
الانكشاف الأمريكي: قراءة إستراتيجية معمقة
إن تصريحات ترمب المخففة من أهمية سيطرة الحوثيين على باب المندب، ورفضه التدخل، لا يمثلان مجرد قرار سياسي، بل انعكاس لضعف بنيوي في الردع الأمريكي.
فالولايات المتحدة عاجزة عن إدارة جبهات متعددة: انشغال القوات الأمريكية في مضيق هرمز يحد من قدرتها على الاستجابة لجبهة يمنية إضافية؛ وهي مستنزفة عسكريا، إذ أدى القتال إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية المتطورة؛ وهي مقيدة سياسيا، فالحرب غير شعبية، وانتخابات الكونغرس تفرض قيودا على حرية الحركة.
ولم يعد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يفهم -من منظور دول المنطقة- ضمانا أمنيا غير مشروط. فما الذي يضمن عدم التخلي عن الحلفاء في لحظات أخرى؟ هذا السؤال يطارد صناع القرار في عواصم الخليج، من الرياض إلى أبوظبي والكويت والدوحة، ويدفعهم نحو تنويع شراكاتهم الأمنية والدفاعية.
إن الانكشاف الأمريكي عند باب المندب يخلق فراغا إستراتيجيا لا بد من ملئه، ويدفع نحو تنويع الشراكات الأمنية بتعميق العلاقات الدفاعية مع تركيا وباكستان وتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك؛ وبناء القدرات الذاتية بتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية وتطوير القدرات البحرية؛ والدبلوماسية الإقليمية بالحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع القوى الإقليمية -بما فيها إيران- والسعي إلى تفاهمات تقلل من مخاطر المواجهة المباشرة؛ وتشكيل تحالفات بحرية متعددة الجنسيات تضم دول المصالح المشتركة لحماية الملاحة.
لكن كل هذه المسارات تواجه حدا واضحا: هل يمكن لأي تحالف إقليمي أن يعوض بشكل كامل غياب قوة كبرى كالولايات المتحدة في مواجهة تهديدات من حجم ما تمثله إيران ووكلاؤها؟ فالقدرات الاستخباراتية واللوجستية والاعتراضية الأمريكية لا مثيل لها في المنطقة، وغيابها يترك فجوة أمنية لا يمكن سدها بسرعة.
النظام الإقليمي الجديد: نحو تعددية الأقطاب
ما نشهده ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل ميلاد نظام إقليمي جديد يتميز بتراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية، فلم تعد الولايات المتحدة القوة الأمنية الوحيدة في الخليج، بل أصبحت قوة ضمن قوى متعددة؛ وبصعود الفاعلين الإقليميين، حيث تبرز السعودية ومصر وتركيا وإيران كأقطاب أمنية ذات وزن متزايد؛ وبتعدد الشراكات، إذ تتجه دول الخليج نحو تنويع شراكاتها الأمنية بدلا من الاعتماد الحصري على واشنطن؛ وبالأمن الجماعي الإقليمي، إذ تتعزز الحاجة إلى ترتيبات أمنية تجمع دول الخليج مع دول الجوار في إطار تعاوني بدلا من الاعتماد على قوة خارجية واحدة.
أما السعودية، فتبدو أقرب إلى مقاربة تجمع بين الردع وتجنب الحرب الشاملة. وحين تدفع الحرب إلى أبوابها، فإن إطفاءها لا يكون بالانزلاق إلى استنزاف مفتوح، بل بدعم الحلفاء الوطنيين على الأرض، وتمكين الدولة اليمنية من استعادة سيادتها، وتطويق منطق الميليشيا، وبناء عقيدة وطنية تغلق منافذ الاختراق الخارجي
وتصريحات ترمب المخففة من أهمية سيطرة الحوثيين على باب المندب لا تمثل مجرد موقف سياسي في لحظة بعينها، بل علامة على تحول تكتوني في النظام الأمني الإقليمي.
إن معادلة “الأمن مقابل النفط ” التي حكمت العلاقة بين واشنطن ودول الخليج لعقود لم تنتهِ بشكل رسمي، لكنها لم تعد قادرة على تقديم الضمانات التي أسست عليها.
والمظلة الأمنية الأمريكية لم تطو، لكنها أصبحت انتقائية ومشروطة وخاضعة لحسابات داخلية أمريكية لا علاقة لها بمصالح دول الخليج.
إن السعودية، التي تجد نفسها بين مطرقة الحوثيين عند باب المندب وسندان إيران عند مضيق هرمز، تختار اليوم مسارا جديدا: المطالبة بأن تكون حماية الممرات البحرية “مسؤولية جماعية “، وبأن لا تتحمل وحدها كلفة الدفاع عن مصالح الدول الصناعية التي تستفيد من تدفق نفطها.
هذا الموقف -المدعوم بإعلان تحالف بحري متعدد الجنسيات- يمثل بداية إعادة تعريف العقد الأمني الإقليمي، لكنه يواجه تحديات جوهرية في قدرته على التحول من الطموح إلى القدرة.
إن أسعار النفط، التي تجاوزت 107 دولارات للبرميل، ليست سوى المؤشر الأول على ما قد يأتي. فإذا استمر الانكشاف الأمريكي وتعذر الوصول إلى تفاهمات إقليمية تضمن حرية الملاحة، فإن العالم قد يكون على أعتاب أزمة طاقة جديدة لا تقل خطورة عن أزمات السبعينات، لكن هذه المرة، دون مظلة أمريكية جاهزة لاحتوائها.
وباب المندب اليوم ليس مجرد مضيق بحري، بل مرآة تعكس نهاية حقبة وبدء أخرى: حقبة لم يعد فيها الأمن الخليجي هبة أمريكية، بل مسؤولية جماعية تبحث عن صيغ جديدة لم تكتمل بعد.
أما السعودية، فتبدو أقرب إلى مقاربة تجمع بين الردع وتجنب الحرب الشاملة. وحين تدفع الحرب إلى أبوابها، فإن إطفاءها لا يكون بالانزلاق إلى استنزاف مفتوح، بل بدعم الحلفاء الوطنيين على الأرض، وتمكين الدولة اليمنية من استعادة سيادتها، وتطويق منطق الميليشيا، وبناء عقيدة وطنية تغلق منافذ الاختراق الخارجي.
فاستقرار اليمن لم يعد شأنا يمنيا صرفا، بل خط الدفاع الأول عن أمن البحر الأحمر وباب المندب، وعن تماسك المجال العربي، حيث تبقى الرياض والقاهرة ركيزتين مركزيتين في مواجهة مشاريع التفكيك والتجزئة.
وفي قلب هذا المخاض الإستراتيجي، تبرز الشراكة السعودية المصرية باعتبارها حجر الزاوية والركيزة المؤسسية الأكثر صلابة في هندسة الأمن الإقليمي الجديد؛ إذ تتوج زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المرتقبة إلى القاهرة غدا وقمته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا التوجه، مجسدة تجسيدا عمليا لمبدأ “المسؤولية الجماعية “.
فالقاهرة والرياض، بتكامل مقدراتهما الجيوسياسية والعسكرية، تدركان أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس شأنا محليا، بل هو الشريان الحيوي المباشر لقناة السويس والاقتصاد المصري بقدر ما هو عمق إستراتيجي وأمني للمملكة.
ومن خلال توحيد الرؤى وتنسيق التحركات الدبلوماسية والعسكرية -ودعم مسار تحرير اليمن بالكامل وتطويق أذرع الميليشيات- ترسم الدولتان المعالم الأساسية لنظام أمني إقليمي ذاتي، يرفض الفراغات التي تتركها القوى الدولية المتراجعة، ويؤسس لطوق إستراتيجي قادر على حماية الملاحة الدولية ومواجهة التهديدات المشتركة من موقع الندية والقدرة على الفعل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






