تخيل مسارا جبليا يتكون من آلاف الدرجات المعدنية، تصعده بصورة شبه عمودية نحو قمم مغطاة بالغيوم، بينما تمتد أسفل قدميك الجبال الخضراء والمحيط الهادئ. هذا هو “سلم السماء” في هاواي، أحد أكثر مسارات المشي شهرة في الولايات المتحدة، ولا يزال يجذب عشاق المغامرة رغم إغلاقه رسميا أمام العامة منذ عقود.
يقع المسار على جزيرة أواهو، داخل وادي هايكو، ويقود إلى أعالي جبال كولاو. وعلى امتداده، يتعين على المغامر تجاوز نحو 3922 درجة معدنية للوصول إلى القمة، في رحلة يبلغ طولها نحو 3.7 كيلومترات ذهابا وإيابا، مع ارتفاع رأسي يقارب 800 متر.
ورغم قصر المسافة نسبيا، فإن شدة الانحدار تجعل الرحلة من أكثر مسارات المشي تحديا في الجزيرة.
منشأة عسكرية تحولت إلى “سلم السماء”
لم يُبنَ هذا السلم في الأصل للسياحة أو لمحبي تسلق الجبال. ففي عام 1942، وخلال الحرب العالمية الثانية، أنشأته البحرية الأمريكية للوصول إلى محطة راديوية أقيمت في الجبال، وكانت تستخدم للتواصل مع السفن الموجودة في المحيط الهادئ.
ومع مرور السنوات، تحولت المنشأة العسكرية إلى معلم غير تقليدي يستقطب المغامرين. وأصبح السلم، الذي كان جزءا من بنية تحتية عسكرية، معروفا باسم “سلم السماء” (Stairway to Heaven)، بسبب ارتفاعه الشاهق والمشهد الذي يحيط به.
لكن شهرته جاءت أيضا مصحوبة بمشكلة أساسية، فالمسار أُغلق رسميا أمام العامة منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد تعرض أجزاء منه للتلف وظهور مخاوف تتعلق بالسلامة والمسؤولية القانونية.
ومع ذلك، لم يمنع الإغلاق آلاف الأشخاص من محاولة الوصول إليه كل عام.
وتحول المسار مع الوقت إلى إحدى أكثر المغامرات إثارة للجدل في هاواي، إذ وجد المسؤولون أنفسهم أمام معادلة صعبة: موقع يتمتع بقيمة سياحية وجمالية استثنائية، لكنه يقع ضمن منشأة مغلقة، ويطرح تحديات تتعلق بالسلامة والمسؤولية والتأثير على السكان المحليين.
رحلة شاقة نحو القمة
بالنسبة للرياضيين، لا يبدو الرقم 3.7 كيلومترات كبيرا، لكن المسار يختلف تماما عن نزهة جبلية عادية. فالارتفاع الكبير خلال مسافة قصيرة يجعل الصعود مرهقا، خصوصا في الجزء الأول من الرحلة، حيث ترتفع الدرجات بصورة حادة.
ويحتاج الوصول إلى القمة عادة إلى نحو ثلاث ساعات من الصعود، بينما يستغرق الهبوط ساعة إلى ساعتين بحسب الظروف وسرعة المشي. وعلى طول الطريق، تتغير طبيعة المشهد تدريجيا، فكلما ارتفع المتسلق، اتسعت الرؤية خلفه، وبدأت الجبال والمناطق السكنية والساحل في الظهور من زوايا مختلفة.
وفي الأجزاء المرتفعة، يتحول السلم إلى مسار ضيق على حافة الجبل، ما يجعل التجربة أكثر رهبة، خصوصا مع الرياح والضباب والأمطار التي قد تجعل الدرجات المعدنية زلقة.
غرامات ومخالفات قانونية
رغم انتشار صور المتسلقين المغامرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن المسار مغلق رسميا، وتسلقه قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية.
وتفرض السلطات في بعض الحالات غرامات يمكن أن تصل إلى ألف دولار على المتسلقين، كما يمكن أن تتدخل الشرطة عند ضبط أشخاص داخل المنطقة المغلقة.
ولا تتوقف المخاطر عند الغرامة المالية، إذ قد تترتب على التعدي تبعات أوسع في بعض الحالات، خصوصا بالنسبة إلى الأشخاص الذين تتطلب أعمالهم تصاريح أو تدقيقا أمنيا أو تراخيص مهنية.
كذلك إذا تعرض أحد المتنزهين لإصابة أو احتاج إلى إخلاء، فقد تترتب عليه تكاليف مرتبطة بعملية الإنقاذ.
ولهذا السبب، فإن الصور المذهلة التي تظهر أشخاصا يقفون على الدرجات فوق السحاب لا تعني أن التجربة متاحة للسياح بصورة قانونية. فالمسار، مهما كانت جاذبيته، لا يزال منطقة مغلقة أمام الجمهور.
بين المطر والانحدار والارتفاع
ولا يقتصر التحدي على الجوانب القانونية. فالطبيعة نفسها تفرض شروطها على من يخوض هذه المغامرة. الأمطار شائعة في المنطقة، وقد تحول الدرجات والمسارات المحيطة بها إلى أسطح شديدة الانزلاق. كما يمكن أن يتغير الطقس في الجبال بسرعة، فتتبدل الرؤية من مشهد بانورامي واضح إلى ضباب كثيف خلال فترة قصيرة.
ويحتاج المتنزهون في المسارات الجبلية من هذا النوع إلى أحذية مناسبة ذات تماسك جيد، وكميات كافية من المياه والطعام، وملابس تحمي من تغير الطقس، فضلا عن الإضاءة إذا بدأت الرحلة مبكرا أو تأخرت العودة.
كما أن الصور المتداولة على الإنترنت لا تعكس دائما الواقع الكامل للمكان؛ فبعض الصور قد تكون معدلة أو ملتقطة في ظروف استثنائية، بينما تبدو التجربة على الأرض أكثر صعوبة مما توحي به الصور.
هل توجد طريقة قانونية لزيارة المنطقة؟
توجد مسارات جبلية أخرى في المنطقة تسمح باستكشاف المناظر المحيطة بصورة قانونية، ومن بينها طريق يبدأ من وادي موانالوا ويصل إلى المناطق المرتفعة خلف السلم. إلا أن هذه الرحلة ليست بديلا مطابقا لتجربة صعود الدرجات نفسها، فهي تعتمد بصورة أساسية على مسار ترابي شديد الانحدار وأجزاء مجهزة بالحبال.
وتكمن أهمية هذا الخيار في أنه يتيح للزائر الاستمتاع بالبيئة الجبلية والمناظر الطبيعية من دون الدخول إلى الدرج المغلق. أما النزول عبر “سلم السماء” نفسه، فيعيد الرحلة إلى نطاق المخاطرة القانونية.
ولمن يبحث عن تجربة مشابهة ولكن بصورة قانونية، يمثل “كوكو هيد” في أواهو خيارا أكثر سهولة من الناحية القانونية. ويُعرف المسار أيضا باسم “سلالم الموت”، لكنه مفتوح للجمهور، كما أنه يوفر تجربة صعود قوية وإطلالات واسعة على الجزيرة، وإن كانت طبيعة الدرج والمسار مختلفة عن”سلم السماء”.
مستقبل “سلم السماء”
لم تتوقف قصة “سلم السماء” عند إغلاقه، إذ انقسمت الآراء بين مطالب بإزالته بسبب تكاليف صيانته ومخاطره، ودعوات لإعادة فتحه كوجهة سياحية منظمة.
وتدافع منظمة “فريندز أوف هايكو ستيرز” (Friends of Haiku Stairs) عن إعادة فتحه مع فرض رسوم وتنظيم الزيارات، بينما طُرحت خطط لإنفاق ملايين الدولارات على إزالته، ما أبقى مصيره عالقا في جدل سياسي وقانوني.
وبينما يستمر الخلاف، يظل السلم، الذي بني أصلا لأغراض عسكرية، أحد أكثر معالم هاواي إثارة للفضول، رغم استمرار إغلاقه أمام العامة.
المصدر: الجزيرة






