حين تُستدعى القضية الفلسطينية لمحاكمة الوطن: في موازين التطبيع وحدود الاصطفاف..

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 لماذا لا يستطيع البعض انتقاد قرار تطبيع دول عربية أخرى مع إسرائيل، بينما يتحول انتقاد التطبيع المغربي وحده إلى قضية وطنية وإقليمية؟
 لعل المفارقة لا تكمن في قرار التطبيع ذاته، بقدر ما تكمن في ازدواجيّة المعايير التي تحكم طريقة النظر إليه.
 في الإمارات العربية المتحدة مثلًا، حين تسأل مواطنًا إماراتياً عن موقفه من سياسة التطبيع، يقول لك دون تردد: «أنا مع قيادتي قلبًا وقالبًا». نقطة إلى السطر.
وهذا يُقدَّم بوصفه إجماعًا حول القيادة؛ ولا يهم كثيرًا إن كان هذا الإجماع قد تشكّل تحت سقف سياسي لا يسمح بالتصريح أو التلميح بما يخالف الموقف الرسمي، أم كان تعبيرًا عن قناعة شعبيّة فعليّة، ما دام لا يظهر في المجال العام ما يناقضه تصريحاً أو تلميحاً يثير انقسامات، باستثناء أبواق الضجيج القادمة من الخارج التي تناصب هذا البلد العظيم العداء والحقد والكراهيّة.
 في المغرب تجد وطنيّين كثيرين يقولون الكلام نفسه تأييدًا لموقف دولتهم. لكنك تجد أيضًا شرذمة تشكل أقلية هامشية غاضبة، تجعل من القضية الفلسطينية مدخلًا لممارسة خصومة سياسية مع بلدها أو للتعبير عن غيظها منه.
 وهنا ينبغي التمييز بين من ينتقد قرارًا سياسيًا وسيادياً انطلاقًا من قناعة تتصل بالقضية الفلسطينية، وبين من يحوّل القضية إلى أداة للانتقام أو الابتزاز السياسي أو استنزاف الانتباه والموارد الأمنيّة، أو إلى وسيلة لخدمة أجندات خارجية أو إقليمية.
 المشكلة أن بعض الظواهر الصوتيّة والضجيجيِّين لم يكونوا صامتين طيلة حياتهم لفرط تقواهم أو أدبهم، بل لأنهم ببساطة لم يكن لهم ما يُقال.
 هل كان صمتهم إذن دليل نضج؟ أم كان صمت الجبن أو غياب القناعة أو ببساطة غياب الرؤية؟ ولماذا يُقدّم صراخهم اليوم كأنه شهادة شجاعة متأخرة، بينما قد لا يكون إلا تنفيسًا عن فشل داخلي؟
 هذه الأصوات النشاز لم تستوعب بعد أهم محطة في تاريخ المغرب المعاصر للمصالحة والإنصاف سنة 2005؛ تلك التي اختار فيها المغرب أن يواجه ذاكرته المؤلمة، بما حملته من سنوات الجمر والرصاص والاعتقال التعسفي والإبعاد القسري والتهميش والاحتجاز والتصفية بلا محاكمة عادلة، لا بمنطق الانتقام وإنما بمنطق الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الكرامة الوجوديّة للإنسان المغربي.
 هذا، ومن الصعب بناء خطاب سياسي ناضج حول الحاضر إذا ظل جزء من الذاكرة الوطنيّة يُستدعى بصورة انتقائية كلما أريد تحويل القضية الفلسطينية من موضوع للنقاش السياسي إلى أداة للخصومة الداخليّة.
 انتقاد قرار سياسي يبقى حق مشروع بموجب الدستور المغربي. ومناقشة التطبيع ومساءلة دوافعه ونتائجه وآثاره حق مشروع أيضًا.
لكن حين يتحول هذا النقاش إلى ابتزاز للدولة أو استنزاف لها، أو إلى امتحان في الوطنيّة، أو إلى محاولة لاحتكار الحديث باسم الوطن أو باسم القضية الفلسطينية، أو خدمة اجندات خارجية تستغل على الشارع المغربي وتعادي مصالح المغرب وتساوي بين قضية الصحراء الغربية المغربيّة وقضية فلسطين؛ فإنه يفرغ النقد السياسي من معناه.
 وحين يصبح الخلاف السياسي مناسبة للطعن في الانتماء الوطني أو المساس بالشعار الخالد «الله الوطن الملك»، فهذه مسألة أخرى تمامًا.
 نعم، صحيح أن الوطنيّة لا تُختزل في التصفيق الآلي لكل قرار سياسي؛ لكنها حين يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية والثوابت وبالثقة في الحاكم، تتجاوز مجرد الموقف من قرار بعينه إلى الاصطفاف مع الدولة ومؤسساتها. فالاختلاف السياسي لا يلغي الانتماء، والنقد لا يبرر التشكيك، كما أن الثقة في الحاكم لا تعني تعطيل العقل السياسي.
 الوطنيّة الحقيقيّة تعرف كيف تميّز بين ما يحتمل الاختلاف وما يقتضي الاصطفاف، وبين النقد المسؤول والاستنزاف السياسي، وبين نصرة قضية عادلة وتحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات.
 والمغرب الذي اختار المصالحة والإنصاف مع ماضيه لا يحتاج إلى صناعة خصوم من مواطنيه كي يثبت وطنيته أو وقوفه إلى جانب قضايا الشعوب المظلومة ترزح تحت وطأة الاحتلال؛ بل يحتاج إلى ذاكرة وطنيّة ناضجة تحفظ الحق دون أن تجعل الاختلاف خيانة، وتحمي الثوابت دون أن تجعل النقد ذريعة لهدم الثقة في الدولة.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...