الدكتور أحمد الريسوني
لا أنسى، ومنذ حوالي أربعة عقود، تلك العبارة البليغة والذكية، التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، حين وصف ما يجري في البرلمان، وشبَّهه بأعمال السيرك..
كان ذلك وصفا لما تشهده قبة البرلمان، من صراخ وصخب وحركات، ومن مهاترات ومزايدات، وضربٍ على الطاولات، دون إغفال التوجه نحو الكاميرات..
لكن هذه الأعمال البرلمانية، السيركية والمسرحية، قد تعدُّ اليوم تعقلا وتحضرا ورزانة، إذا ما قورنت بما جرى ويجري في مختلف أنحاء المغرب؛ في مقرات الأحزاب المصنوعة، في هيئاتها القيادية، ولجانها الانتخابية، وفي الشوارع والساحات العمومية.. ضمن ما يسمى الحملة الانتخابية، وما سبقها في معركة التزكيات والتصفيات والتنقلات، من بيع وشراء، وأخذ وعطاء، وقبول وإقصاء..
إن ما أصبح يجري في مواسمنا الانتخابية الكثيرة والطويلة، ليتكشف عن تخريب شامل للأخلاق والقيم والمصالح العامة، وعن تبذير عبثي للأموال العامة والخاصة.. وعن تنحية متزايدة للأكفاء والمخلصين، وسطوة متصاعدة للفاسدين والتافهين، والمتملقين المتسلقين..
وفيما يلي أستحضر ببعض المشاهد التي أعنيها، ولو أنها أصبحت مألوفة وطبيعية، في كافة المواسم الانتخابية:
1. الكذب والخداع بكل الأشكال الممكنة، ومنها:
– تقديم وعود وبشائر يعرف أصحابها – بشكل قاطع أو راجح – أنهم لا يملكون ولا ينوون الوفاء بها، وإنما هي لمجرد الاستهلاك الدعائي والتنشيط الخطابي. وهذا كله كذب وتضليل، حتى لو لم يصدقه أحد.
– ترويج اتهامات وشبهات وإشاعات غير صحيحة، أو غير ثابتة، ضد الخصوم السياسيين، أو ضد جهات مبهمة. وهو أيضا كذب وزور وبهتان..
2. توزيع الرشاوى بأشكال متعددة، قانونية وغير قانونية،
من ذلك:
– تقديم أموال دافئة للأحزاب وللمرشحين، لتحفيزهم ومساعدتهم على المشاركة والتنشيط الانتخابي..
– تقديم الأموال لبعض الناخبين والوسطاء، لأجل التصويت لفائدة المشترين..
– تقديم هدايا وخدمات وإغراءات مختلفة قبل التصويت، أو تعهدات بها لما بعد التصويت..
– إقامة الولائم والمواسم والموائد، والسهرات والحفلات المنشطة، لفائدة الناخبين المحتملين..
3. الإبادة أو التمييع لمجموعة من المبادئ والقيم..
مثل: الإخلاص، والصدق، والعفة، والوطنية، وخدمة المصلحة العامة، والأمانة، والمسؤولية، والتضحية.. ونحوها من القيم والمبادئ، التي أصبحت عتيقة منبوذة!
وتعويضها بثقافة “حداثية منفتحة”، قوامها: الأنانية، والانتهازية، والوصولية، والقفز السريع إلى المناصب والمكاسب، واقتناص فرص الانتخابات للسلب والنهب.. في انتظار الجولات الانتخابية الآتية..
4. التطبيق العملي للمفاهيم والقيم السياسية الجديدة:
ومنها: المقاولات الحزبية، والصفقات الانتخابية، والبورصة السياسية، والزعامات الكروية، والميركاتو الحزبي، والاتجار في البشر لقضاء الوطر.. ولا تنسوا: فللمرأة مواقعها البراقة، في أفق المناصفة..
تحذيرات نبوية من تمكين المنافقين وإبعاد المخلصين..!
1. في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعُ خلالٍ من كُـنَّ فيه كان منافقا خالصا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها).
2. في الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتـُمِنَ خان..
3. وفي المستدرك وغيره: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيأتي على الناس سنونَ يصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُـخَوَّن فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرُّوَيبضة» قال: قيل: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة».
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





