أندريه لفوفيتش فرولوف
أستاذ مشارك في الجامعة الوطنية للبحوث – المدرسة العليا للاقتصاد في روسيا.
أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدأت دول البلطيق، ومن بعدها بولندا، بالتحرك نحو امتلاك أسلحة نووية، مبدئيا، لنشرها على أراضيها.
وقبل ذلك، كانت فنلندا قد رفعت بالفعل قيودها على نشر الذخائر الخاصة (أي الأسلحة النووية).
وفي الأيام الماضية، وافق البرلمان الليتواني على تعديل دستوري يلغي البند الذي يحظر نشر أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي الليتوانية.
وصرح رئيس البرلمان ومقدم مشروع القانون جوزاس أوليكاس، خلال الجلسة- كما نقلت عنه وسائل الإعلام الليتوانية- بأن الردع النووي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يُعدّ عنصرا أساسيا في بنية الدفاع الجماعي للحلف.
وحسب قوله، فإن الغرض من القدرات النووية للحلف هو الحفاظ على السلام، ومنع الابتزاز والإكراه النووي، وضمان ردع موثوق.
وأضاف أن نظام الردع هذا، كجزء من الدفاع الجماعي، قائم منذ عقود عديدة، وهو أحد أهم العوامل التي تُقلل من خطر عدوان واسع النطاق على الحلف.
وخلال مناقشة مشروع القانون، صرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، ريميغيوس موتوزاس، بأن “الغالبية العظمى من دول (الناتو) لا تفرض مثل هذه القيود. كما لا تفرضها دول مجاورة لنا، مثل لاتفيا وإستونيا وبولندا. يجب على ليتوانيا أن تُظهر بوضوح لحلفائها وخصومها أنها ستدافع عن استقلالها بكل الوسائل الممكنة.
لا يمكننا أن نكون أقل أمانا من دول الناتو الأخرى. يجب أن نرسل إشارة مفادها أن ليتوانيا طرف كامل العضوية في قوة الردع النووي لحلف شمال الأطلسي”.
في هذا الصدد، من المهم النظر في كيفية رد روسيا على نشر أسلحة نووية في ليتوانيا، التي تُجاورها وتجاور حليفتها الرئيسية، بيلاروسيا.
فما هو رد روسيا، وما هو حجم التهديد الذي قد تُشكّله مثل هذه الخطوة عليها؟
من الجدير بالذكر، أنه من وجهة نظر دول البلطيق، تُتخذ مثل هذه الخطوات لغرض واحد فقط: “توجيه رسالة إلى موسكو” و”منع غزو روسي”، لذلك، تكمن الإجابات عن هذه الأسئلة في المجال العسكري.
في ضوء الأحداث الأخيرة، من المهم الإشارة إلى أن بولندا أجرت بالفعل مناورات هذا العام تم التدريب فيها على استخدام رؤوس حربية نووية تكتيكية. ومع ذلك، كانت هذه الرؤوس الحربية فرنسية، وليست بولندية أو أمريكية. ورغم أن هذه المناورات قدّمت استعراضا موجها لموسكو، فإنها كانت في الواقع تطبيقية بحتة.
فقد عملت مجموعة مشتركة من القوات المسلحة البولندية والفرنسية في منطقة بياليستوك، وكان هدف هذه المناورات هو التوغل وغزو أرض بيلاروسيا وهزيمة قوات دولة الاتحاد (القوات المسلحة الروسية والبيلاروسية) هناك.
ترافق الهجوم -وفق سيناريو المناورات- مع توجيه ضربات نووية تكتيكية، أمّنت للقوات البولندية الفرنسية وتيرة عملياتية عالية. وفي هذا الصدد، من المهم الإشارة إلى أن فرنسا وسّعت هذا العام فهمها لإستراتيجيتها النووية بشكل ملحوظ.
ففي مارس/آذار، أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون عن “الردع النووي المتقدم”، بمشاركة عشر دول في هذه المبادرة الفرنسية، وهي: فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وبولندا، وهولندا، والسويد، والدانمارك، وبلجيكا، واليونان، والنرويج.
ومن الجدير بالذكر انضمام بولندا والدانمارك إلى القائمة.
ويبدو أن الأمر قد يتوسع قريبا ليشمل دول البلطيق. في الوقت نفسه، فقد عمل تشكيل مشترك من القوات المسلحة البولندية والفرنسية على محور مدينة بياليستوك، الواقعة شمال شرقي بولندا قرب الحدود مع بيلاروسيا
فبالتزامن مع تقدم القوات البولندية والفرنسية، كان تشكيل ألماني ليتواني يتقدم نحو مينسك، ثم فرضت قوات الجيش الألماني، إلى جانب قوات دول البلطيق الأخرى، حصارا على كالينينغراد، وانتشرت استعدادا لشن هجوم على سانت بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد.
مع ذلك، وخلافا لتدريبات القوات البولندية الفرنسية المشتركة، لم تتدرب ألمانيا ودول البلطيق على استخدام ذخائر خاصة (نووية). لكن استخدام هذه الأسلحة كان واضحا ضمنيا.
غير أنه لم يكن من الواضح لمن هذه الذخائر: هل هي فرنسية، أم قنابل B61 أمريكية مسلَّمة في إطار برنامج المشاركة النووية لحلف الناتو؟
لذلك، لا بد من الإقرار بأن تحركات وارسو ودول البلطيق هي في الواقع تحضير مفهوم تماما للقيام بعمل عسكري.
هنا، لا توجد أي “رسائل” سياسية أو استعراضات- إنها خطوة عسكرية بحتة. وبناء على ذلك، تنظر روسيا إلى هذا الأمر أيضا باعتباره تهديدا حقيقيا وملموسا.
من وجهة نظر روسيا، يُعدّ نشر الأسلحة النووية الأوروبية في ليتوانيا عاملا قد يدفع موسكو إلى تغيير سياستها تجاه دول البلطيق تغييرا جذريا.
ويكمن التهديد الرئيسي في إمكانية نشر حاملات أسلحة نووية تكتيكية (طائرات هجومية وصواريخ كروز) في دول البلطيق، ضمن نطاق عدد من المنشآت الإستراتيجية في روسيا، مثل أنظمة الإنذار المبكر بالهجمات الصاروخية، ومراكز القيادة الرئيسية للدولة والجيش، ومنشآت الصناعات الدفاعية، ومواقع قوات الصواريخ الإستراتيجية.
كل هذا يُهيئ الظروف لشنّ ضربة استباقية أولى لشلّ القدرات النووية الروسية.
الموقف الرسمي لروسيا بشأن الدول التي تمتلك أسلحة نووية أو الأعضاء في تحالفات عدوانية تمت صياغته في “أسس سياسة الدولة الروسية في مجال الردع النووي”، والتي اعتمد الرئيس الروسي نسخة محدثة منها في ديسمبر/كانون الأول 2024.
تشير هذه الوثيقة إلى أن “روسيا تحتفظ بحقها في استخدام الأسلحة النووية ردا على استخدام الأسلحة النووية و/أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل ضدها و/أو ضد حلفائها، وكذلك في حالة العدوان على روسيا الاتحادية و/أو جمهورية بيلاروسيا، بوصفهما عضوين في الاتحاد، باستخدام أسلحة تقليدية، مما يُشكل تهديدا خطيرا لسيادتهما و/أو سلامة أراضيهما”.
علاوة على ذلك، تُشير الوثيقة إلى وجود “مخاطر” يُستخدم الردع النووي لتحييدها. ويشمل ذلك، على وجه الخصوص، “امتلاك خصم محتمل أسلحة نووية و/أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل التي يُمكن استخدامها ضد روسيا الاتحادية و/أو حلفائها، فضلا عن وسائل إيصال هذه الأسلحة”.
بالتالي، يُمكن افتراض أن روسيا، من جانبها، ستبدأ بتعزيز منطقة لينينغراد العسكرية التي أُعيد تشكيلها مؤخرا، لا سيما فيما يتعلق بقدرات الاستطلاع وتوفير الأسلحة الموجهة بدقة لتدمير مستودعات الأسلحة النووية ومواقع إطلاقها.
ومن المرجح أن تتخذ مينسك إجراءات مماثلة، خاصة أن الجيش البيلاروسي مُسلح ليس فقط بمنظومات صواريخ إسكندر-إم التكتيكية، بل أيضا بصواريخ أوريشنيك متوسطة المدى.
بيد أن هذه الأخيرة تُعد “زائدة عن الحاجة” بالنسبة لليتوانيا وبولندا، ومن المرجح أن تُستخدم رادعا لفرنسا، الحائزة على أسلحة نووية.
على أي حال، لا يُسهم هذا القرار الليتواني في تهدئة الوضع في شمال غرب أوروبا؛ بل على العكس، يُسهم في تصعيد التوترات في المنطقة وزيادة عسكرتها.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





