حملة أمنية وتشديد للمنافذ.. ماذا يحدث للمهاجرين الأفارقة في عدن؟

إيطاليا تلغراف متابعة

عدن – حتى أيام قليلة، كان عشرات المهاجرين الأفارقة يفترشون العشب المحيط بجولة القاهرة في مديرية الشيخ عثمان بالعاصمة المؤقتة عدن جنوبي اليمن. ومع الصباح، يتفرقون في الأسواق والشوارع بحثا عن عمل يوفر طعام يومهم: حمل بضاعة، أو نقل مشتريات على عربة يدوية، أو غسل سيارة.

اليوم، تبدو جوانب الجولة شبه خالية من حضورهم الذي اعتاده المارة. فقد بدأت السلطات حملة أمنية في الشيخ عثمان ووسعتها إلى المنصورة، ثم علقت تنفيذها في بقية مديريات عدن، بعدما تبين أن الأماكن المخصصة لاحتجاز الموقوفين لا تتسع لأعدادهم.

يقول منصور محمد سفيان، أحد سكان الشيخ عثمان، للجزيرة نت إن المهاجرين اعتادوا التجمع قرب جولة القاهرة ومحيط مسجد العيدروس. وخلال الحملة الأخيرة، شاهد عددا كبيرا منهم تحيط به أطقم وعناصر أمنية قبل نقلهم من الجولة.

وفي مساء اليوم التالي، عاد إلى سوق القاهرة، فرأى “مكانا صغيرا يشبه الحجز يجري فيه تجميع موقوفين قبل نقلهم مرة أخرى”، من دون أن يعرف إلى أين.

حملة أمنية

وتعد الشيخ عثمان من أكثر مديريات عدن نشاطا في التجارة والنقل، وتضم أسواقا شعبية ومحطات برية تستقبل المسافرين القادمين إلى المدينة والمغادرين منها. وبين المحال والطرقات المزدحمة، يبحث بعض المهاجرين عن أعمال متقطعة في الحمالة ونقل مشتريات المتسوقين على العربات اليدوية وغسل السيارات.

وفي 29 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت قوات الأمن الوطني في عدن تنفيذ حملة في أحياء وشوارع الشيخ عثمان، وقالت إنها تستهدف الحد من التسول، وتنظيم ما وصفته بالمظاهر العشوائية، ومتابعة تجمعات المهاجرين الأفارقة.

وأكد قائد القطاع الثامن النقيب ناصر الدهشلي، وفق بيان أمني، ضرورة التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى رعاية صحية أو اجتماعية بحسب الإجراءات القانونية وبالتنسيق مع الجهات المختصة.

لكن مدير مكتب إعلام هذه القوات عماد حيدرة حلبوب يقول للجزيرة نت إن الخطة وضعت منذ البداية لتشمل مديريات المدينة الثماني. ويوضح أنها نفذت في الشيخ عثمان والمنصورة، قبل تعليق التوسع إلى بقية المديريات مؤقتا، بعدما اتضح أن الأماكن المحددة للاحتجاز لا تستطيع استيعاب أعداد الموقوفين.

ويضيف أن السلطة المحلية تعمل على تحديد أماكن أوسع وترتيب إجراءات أفضل قبل استكمال الحملة. ويربط توقيتها بما يسميه “احترازات أمنية في هذه الفترة لمنع أي حالات فوضى”، مشيرا إلى توجيهات بتشديد الرقابة على منافذ عدن والطرق القادمة من محافظات أخرى، ومنها شبوة، للحد من وصول مزيد من المهاجرين.

ولم يعلن حلبوب موعدا لاستئناف الحملة في بقية المديريات. كما لم يصدر، حتى إعداد هذا التقرير، بيان رسمي يحدد عدد الموقوفين أو أماكن وجودهم أو يعلن قرارا بترحيلهم خارج اليمن.

 

حركة هجرة متواصلة

وليست هذه المرة الأولى التي تنفذ فيها سلطات عدن حملات لاحتجاز مهاجرين أفارقة. ففي 2017، استخدمت السلطات منشأة في مديرية البريقة مركزا لاحتجاز مئات المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين من إثيوبيا والصومال وإريتريا، ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش عمليات ترحيل لأعداد منهم.

وفي عدن، يعيش إلى جانب الوافدين الجدد، لاجئون وطالبو لجوء يقيم بعضهم في المدينة منذ عقود.

وبحسب بيانات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في اليمن 65 ألفا و308 حتى نهاية أغسطس/آب 2026، منهم 22 ألفا و757 في عدن، أي 34.8% من الإجمالي. ويشكل الصوماليون 63% من المسجلين، والإثيوبيون 26.5%.

وتوضح المفوضية أن غير الصوماليين الراغبين في طلب اللجوء بمنطقة عدن يمكنهم التواصل مع مكتبها للتسجيل، بينما يستطيع الصوماليون التسجيل عبر مراكز في البساتين في عدن والمكلا ومخيم خرز بمحافظة لحج.

ورغم الحرب المستمرة في اليمن منذ أكثر من عقد وما خلفته من أزمة إنسانية واقتصادية، لم تتوقف حركة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي إلى سواحله.

فما يصل إلى شوارع عدن هو جزء من حركة هجرة أوسع تبدأ على الضفة الأخرى لخليج عدن. وفي أغسطس/آب 2026 وحده، رصدت المنظمة الدولية للهجرة دخول 11 ألفا و397 مهاجرا إلى اليمن، بانخفاض بـ 17% عن يوليو/تموز 2026، حين سجلت 13 ألفا و687.

وجاء 63% من التدفقات التي رصدتها المنظمة من جيبوتي ووصلوا أساسا إلى سواحل أبين وتعز، ووصل 33% من الصومال عبر شبوة، و4% من سلطنة عُمان. وشكل الرجال 63% من الوافدين، والنساء 18%، والأطفال 19%.

نقاط محددة

وهذه الأعداد ليست إحصاء شاملا لكل الداخلين إلى اليمن، إذ ترصد المنظمة الحركة في نقاط محددة يمكن لفرقها الوصول إليها في عدد من المحافظات.

وتظهر بيانات الربع الثاني من 2026، أن السعودية كانت الوجهة المقصودة لـ 80% من حركات المهاجرين التي رصدتها المنظمة، مقابل 11% قالوا إن اليمن وجهتهم النهائية.

وفي تقييم أجرته المنظمة خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين، قدرت وجود 44 ألفا و50 مهاجرا في 12 محافظة خاضعة للحكومة اليمنية، تركز نحو 32% منهم في مأرب، و28% في شبوة، و17% في عدن. ويقيس هذا التقدير أعداد الموجودين وقت التقييم، بينما تقيس بيانات أغسطس/ آب حركة الوصول خلال شهر واحد.

ومن الذين توقفت بهم الرحلة في عدن حسين عادل (30 عاما)، الذي التقت به الجزيرة نت في فبراير/شباط الماضي، بعد وصوله إلى المدينة بأشهر على متن قارب يقل مهاجرين أفارقة.

وقال حسين إنه فر من “الموت والجوع”، لكنه وجد نفسه أمام ظروف معيشية قاسية. وكان يقيم على سطح منزل أحد أقاربه في حي البساتين، ويجوب المدينة نهارا بحثا عن عمل متقطع، متكئا على عكاز بسبب إصابة قال إنه تعرض لها خلال رحلة العبور.

لجوء منذ عقود

وفي البساتين، تعيش أسر لاجئة منذ عقود إلى جانب وافدين أحدث عهدا بعدن، فضلا عن نازحين وسكان محليين. ويعتمد بعض السكان على أعمال يومية في البناء والحمالة وغسل السيارات، بينما تعمل نساء في تنظيف المنازل أو إعداد الطعام وبيعه.

والبساتين حي سكني وليس مخيما رسميا للاجئين. أما مخيم خرز في محافظة لحج فهو مخيم اللاجئين الوحيد في اليمن، ويستضيف نحو 9490 لاجئا وطالب لجوء، وتقدم فيه خدمات تشمل التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والمأوى.

وتدير المنظمة الدولية للهجرة مركزا للاستجابة للمهاجرين في عدن، إلى جانب مركزين في مأرب وصنعاء، لمساعدة الحالات الضعيفة والعالقة وإحالتها إلى الخدمات. كما تنفذ برنامجا للعودة الإنسانية الطوعية لمن يرغبون في العودة إلى بلدانهم.

وفيما تستعد السلطات لاستكمال الحملة وتشديد الرقابة على منافذ عدن، تشير أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى استمرار وصول المهاجرين إلى سواحل اليمن. أما الذين نقلوا من جولة القاهرة وشوارع المنصورة، فلا تزال أماكن وجودهم والإجراءات التي ستتخذ بحقهم غير معلنة، بعد حملة غيرت خلال أيام مشهدا اعتادته المدينة لسنوات.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...