الجُبناء لا يصنعون التاريخ..!

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

لم يدركوا أنهم أُحيلوا على التقاعد؛ بل بدا أنهم شرعوا، منذ لحظة مغادرتهم المؤسسة، في تولّي مهام جديدة من نوع آخر؛ مهام لا تحتاج إلى مكتب ولا إلى صفة إدارية ولا إلى توقيع رسمي، وإنما تحتاج إلى ما راكموه طوال سنوات الخدمة من معرفة بدواليب الإدارة، وأسرارها، ومواطن قوتها وضعفها، ومسالك النفوذ داخلها. وهكذا، بدل أن يكون التقاعد نهاية لمسار مهني، تحوّل عندهم إلى محاولة لإعادة توظيف الماضي في الحاضر، واستثمار ما يعرفونه عن المؤسسة في الإساءة إلى من لا يزالون في خدمتها.

لقد خبروا دواليب الإدارة وأسرارها، وعرفوا مداخلها ومخارجها، ونقط قوتها وضعفها؛ بل إن بعضهم كان، في مرحلة من المراحل، طرفًا في صناعة كثير من الشر والخبث الذي استبقاه لنفسه، حتى إذا غادر المؤسسة، وجد في آثاره أدوات جاهزة للانتقام، وفي أسرارها أوراقًا للمساومة، وفي هشاشاتها منافذ للتأثير. وكأن بعضهم لم يغادر الإدارة فعلًا؛ وإنما غادر كرسيه فقط، محتفظًا في ذاكرته بكل ما يمكن أن يعيد به إنتاج نفوذه خارجها.

وهنا تتكشف إحدى أكثر المفارقات إثارة للسخرية: أن يتحول التقاعد، الذي يفترض أن يكون لحظة تصالح مع الذات، واستراحة بعد مسار مهني طويل، إلى مرحلة جديدة من تصفية الحسابات؛ وأن يتحول ما كان يفترض أن يكون خبرة مهنية راكمها الزمن إلى مخزون من الدسائس والمناورات؛ وأن تتحول المعرفة بأسرار المؤسسة، بدل أن تكون أمانة أخلاقية، إلى وسيلة للضغط والإرباك والانتقام.

والجُبناء، في الغالب، لا يواجهون خصومهم مواجهة صريحة؛ فالمواجهة تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة لا تستقيم مع عقلية المؤامرة. لذلك يتسترون خلف ماكر حقود مثلهم، ويبحثون عن واجهات تؤدي عنهم ما لا يملكون الجرأة على فعله بأنفسهم؛ فيلجؤون إلى المناورات والدسائس والمؤامرات الدنيئة، ويركبون حصان طروادة الخبيث، ويدخلون من أبواب المؤسسة التي يعرفونها جيدًا، لا ليصلحوا ما أفسدوه بالأمس، وإنما ليواصلوا الإفساد من خارج أسوارها.

إنها ليست مجرد إساءة إلى شخص بعينه داخل مؤسسة؛ فحين يصبح الانتقام غاية، لا يعود المستهدف هو الفرد وحده، وإنما تصبح المؤسسة نفسها جزءًا من دائرة العقاب. المؤسسة التي احتضنتهم يومًا، ومنحتهم موقعًا وخبرة واعتبارًا ومسارًا مهنيًا، تتحول في لحظة الجحود إلى خصم ينبغي النيل منه؛ وكأن مغادرة المؤسسة لا تكتمل إلا بمحاولة تلطيخ صورتها، أو إرباك عملها، أو استهداف من لا يزالون يحملون مسؤولية تدبيرها.

والأشد مفارقة أن من يعتقد أنه ينتقم من المؤسسة قد لا يدرك أنه ينتقم في الحقيقة من تاريخه هو؛ لأن المؤسسة التي يحاول تشويهها هي جزء من سيرته المهنية، والزملاء الذين يحاول الإساءة إليهم هم شهود على مرحلة من حياته، والأدوار التي يسعى إلى تخريبها هي ذاتها التي كان يومًا جزءًا من بنائها.

فالتاريخ لا تصنعه الدسائس، ولا تحفظه المؤامرات، ولا يُكتب بأقلام الوشاية والانتقام. التاريخ تصنعه المواقف، وتحفظه النزاهة، ويمنحه الزمن شرعيته.

أما الذين يغادرون مواقعهم وهم يحملون في صدورهم ضغائنهم، وفي ذاكرتهم أسرارهم، وفي أيديهم خيوطًا يحاولون تحريكها من بعيد؛ فلن يستطيعوا أن يصنعوا تاريخًا، مهما أوهمتهم قدرتهم على الإرباك والتخريب.

الجُبناء لا يصنعون التاريخ؛ إنهم فقط يحاولون العبث به من وراء الستار، لأنهم لم يمتلكوا يومًا شجاعة الوقوف في واجهته.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...