قبل افتتاح الملك للبرلمان.. مؤشرات أولية ترسم ملامح توزيع حقائب حكومة المنصوري: الاستقلال يتجه نحو حصة وازنة، ولشكر وبنعبد الله يفاوضان على “توسيع” حصتهما
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مراحلها الأخيرة، بعدما انتقلت رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري من جس نبض الأحزاب واستكشاف مواقفها من المشاركة إلى مرحلة التفاوض حول هندسة الأغلبية، وحجم تمثيلية كل حزب داخل الحكومة، وطبيعة القطاعات التي يمكن أن تؤول إلى مكوناتها، في وقت تتجه فيه المؤشرات المتوفرة إلى ترجيح صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة بالاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مستفيدة من أغلبية برلمانية تبلغ 207 مقاعد.
“الصحيفة” رصدت منذ انطلاق المشاورات الأولى، في أعقاب تعيين المنصوري من طرف الملك محمد السادس يوم 29 شتنبر الماضي، تعدد السيناريوهات المطروحة أمام رئيسة الحكومة المعينة، قبل أن تبدأ كفة صيغة تضم أحزاب ما كان يعرف تاريخيا ب”الكتلة الديمقراطية” إلى جانب الأصالة والمعاصرة في الميلان تدريجيا نحو الواجهة.
وقد أظهرت الحسابات البرلمانية أن الأصالة والمعاصرة، المتصدر بـ97 مقعدا، والاستقلال بـ65 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي بـ26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا، يستطيعون مجتمعين تأمين 207 مقاعد، أي تسعة مقاعد فوق الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
ومع انطلاق الجولة الثانية من المشاورات يوم الاثنين 5 أكتوبر، بدأت طبيعة التفاوض تتغير بشكل واضح، فبعد لقاءات الجولة الأولى التي خصص جانب مهم منها لاستطلاع مواقف الأحزاب من المشاركة وتصوراتها بشأن المرحلة المقبلة، التقت المنصوري في مستهل الجولة الثانية بالأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله، ثم بالكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، قبل أن تتواصل اللقاءات مع قيادات الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية والحركة الشعبية، ثم مع الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة في لقاءات متقدمة.
وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات مع حزب الاستقلال الأكثر تقدما من الناحية العملية، فقد فوض المجلس الوطني للحزب نزار بركة مواصلة المشاورات، قبل أن يلتقي المنصوري من جديد مساء الأربعاء 7 أكتوبر، في لقاء دام نحو ساعة، حيث قالت مصادر حزبية لـ”الصحيفة” إن النقاش انتقل خلاله إلى هيكلة الحكومة والقطاعات التي ستؤول إلى الاستقلاليين.
والأهم أن المصادر نفسها أكدت أن بركة غادر اللقاء “مرتاحا” بعدما تمكن، وفق تقديرها، من تحقيق معظم أهدافه التفاوضية، مع توجه نحو حصول الحزب على خمس حقائب وزارية على الأقل، بما يجعله صاحب ثاني أكبر حصة بعد الأصالة والمعاصرة.
ولا تقف مطالب “الميزان” عند العدد، إذ تشير المعطيات نفسها إلى إصرار بركة على الاحتفاظ بقطاعات يعتبرها الحزب ذات أهمية، من بينها التجهيز والماء والنقل والتجارة والصناعة، وهو ما يكشف أن النقاش لم يعد يتعلق بعدد المقاعد الوزارية فقط، وإنما أيضا بالوزن السياسي والاقتصادي للقطاعات التي ستدخل ضمن حصة كل مكون من مكونات الأغلبية.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيبدو أنه بات أقرب من أي وقت مضى إلى المشاركة في الحكومة، وإن كان قيادي في الحزب أكد لـ”الصحيفة” أن لا شيء حسم بشكل نهائي إلى حدود يوم الثلاثاء، قبل أن يرجح في الوقت نفسه أن تكون مشاركة الحزب “بنسبة كبيرة” إذ يأتي ذلك بعد لقاءين جمعا إدريس لشكر بالمنصوري، الأول خلال الجولة الأولى والثاني مع انطلاق الجولة الثانية، بما يعكس استمرار الحزب في صلب المفاوضات بشأن صيغة الأغلبية المقبلة.
وتكتسب وضعية الاتحاد الاشتراكي أهمية خاصة في هذه المفاوضات بالنظر إلى كونه يملك 26 مقعدا، ويشكل إلى جانب الاستقلال والتقدم والاشتراكية أحد المكونات الأساسية للصيغة التي تمنح البام أغلبية مريحة نسبيا دون الحاجة إلى التجمع الوطني للأحرار أو الحركة الشعبية، حيث تشير المعطيات إلى عرض بثلاث حقائب وزارية على الأقل.
وفي موازاة ذلك، يتحرك حزب التقدم والاشتراكية بمنطق مختلف نسبيا، فالحزب لم يربط مشاركته بمجرد الحصول على تمثيلية وزارية، وإنما وضع منذ البداية شروطا سياسية وبرنامجية واضحة، وقد قررت اللجنة المركزية للحزب، بالإجماع، تفويض المكتب السياسي تدبير المرحلة المقبلة من مشاورات تشكيل الحكومة، مع التأكيد أن قرار المشاركة يظل رهينا بتوفر شروط سياسية وبرنامجية واضحة، تسمح للحزب بالإسهام الفعلي في تدبير المرحلة وتنفيذ أولوياته، خصوصا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وتوطيد الخيار الديمقراطي.
وفي الوقت نفسه، بدأت تتداول معطيات متطابقة نسبيا حول عرض يصل إلى ثلاث حقائب وزارية للتقدم والاشتراكية، مع بقاء أسماء المرشحين وطبيعة القطاعات خارج دائرة الحسم، حيث أن نبيل بنعبد الله لم يدخل، وفق المعطيات المتوفرة، في نقاش نهائي بشأن الأسماء، مفضلا انتظار اكتمال الشروط السياسية والبرنامجية قبل الانتقال إلى مرحلة الاستوزار.
أما الأصالة والمعاصرة، فيوجد في موقع مختلف تماما، باعتباره الحزب الذي يقود عملية تشكيل الأغلبية للمرة الأولى بعد تصدره انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا، حيث لا تبدو معركة البام مرتبطة فقط بالحصول على أكبر حصة من الحقائب، وإنما أيضا ببناء حكومة قادرة على العمل بانسجام خلال الولاية المقبلة.
وفي هذا الإطار، برزت خلال الساعات الأخيرة معطيات تفيد بأن لجنة المشاورات المصغرة التي شكلتها المنصوري تتجه نحو اعتماد توزيع للقطاعات وفق منطق الأقطاب، أي تجميع الوزارات المرتبطة بالقطاع نفسه داخل أقطاب محددة، بدل الاكتفاء بتوزيع منفصل للحقائب بين الأحزاب، وإذا تأكد هذا التوجه، فإنه قد يجعل النقاش حول الحقائب مختلفا عن مجرد عملية حسابية لتقاسم الوزارات، لأن الأهمية ستنتقل أيضا إلى موقع كل حزب داخل القطب الذي سيشرف عليه.
وفي الجهة المقابلة، تظل وضعية الحركة الشعبية واحدة من أبرز عناصر عدم اليقين في المشهد، خصوصا بعد الجولة الثانية التي جمعت محمد أوزين بالمنصوري، فقد كشف أوزين حصريا لـ”الصحيفة” أن الحركة الشعبية لم تتلق، إلى حدود يوم أمس الأربعاء، أي عرض رسمي للمشاركة في الحكومة، وأن النقاش لم يتجاوز المبادئ العامة، مؤكدا أن المشاركة لا يمكن أن تحسم عبر الإشارات، وإنما من خلال عرض واضح يخضع للنقاش داخل المؤسسات الحزبية.
كما أن استبعاد التجمع الوطني للأحرار من الصيغة المتداولة لا يزال، من الناحية الرسمية، غير معلن بقرار نهائي، رغم أن المؤشرات السياسية المتراكمة خلال الأيام الأخيرة تدفع في اتجاه أغلبية مختلفة عن تلك التي قادت الحكومة السابقة.
وقد سبق لـ”الصحيفة” أن رصدت منذ بداية المشاورات أن قنوات التواصل مع مختلف الأحزاب بقيت مفتوحة، وأن المنصوري لم تكن قد حسمت بشكل نهائي في التركيبة قبل استكمال الجولة الثانية والعودة إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة
المصدر: الصحيفة





