آداب الجلوس في حضرة الملوك العظام: حين تصبح لغة الجسد جزءاً من هيبة المقام ورمزيّة الدولة..!

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

من المهم أن يخضع شاغلو المناصب العليا لتداريب متخصصة في البروتوكول والإتيكيت السياسي، ولِمَ لا تكوين عسكري تأهيلي، سريع ومكثف، يُرسّخ قواعد الانضباط في المشي والجلوس، وأصول اللباس والأكل، وفنون مخاطبة الكبار، وسائر مظاهر الاحترام والوقار؛ فتمثيل الدولة مسؤولية لا تقتصر على المنصب، بل تشمل السلوك والهيئة وحسن تقدير المقامات.

ليست آداب الجلوس في حضرة الملوك مجرد شكليات بروتوكولية، ولا تفاصيل هامشيّة تحكمها العادات والمجاملات؛ بل هي جزء من ثقافة المراسم، وفن التعامل مع المقامات السياديّة، وإدراك دلالات السلوك في حضرة رموز الدولة العظام.

وفي هذا السياق، استحضر الصحافي الفرنسي فرانسوا سودان، في رواية منسوبة إليه نشرتها مجلة جون أفريك، حادثة تُنسب إلى عهد الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز، وتتناول حدود اللياقة في حضرة الملوك العظام، وما قد يترتب على تجاهل الأعراف المتعارف عليها في المراسم الملكيّة.

وتروي الحكاية أن (آصف علي زرداري)، زوج (بنازير بوتو)، رئيسة وزراء باكستان السابقة، كان في حضرة الملك فهد رحمه الله، حين جلس واضعاً إحدى ساقيه فوق الأخرى. فقام مدير التشريفات الملكية وطلب منه تعديل وضعيته والعودة إلى جلسة أكثر رسميّة، غير أن الضيف لم يمتثل، وفق الرواية المتداولة.

وتضيف الرواية أن مدير التشريفات أقدم على جذبه من كتفه، ثم صربه بحذائه، بينما بدا الملك فهد، بحسب الوصف المنقول، وكأنه لم يلحظ ما جرى.

ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التأكيد أن هذه التفاصيل تظل رواية صحفية تحتاج إلى توثيق مستقل، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها واقعة محسومة من دون التحقق من مصادرها الأصليّة.

* حين تتحول وضعية الجلوس إلى رسالة سياسية:

إن مغزى هذه الحكاية، بصرف النظر عن مدى ثبوت تفاصيلها، يتجاوز مجرد وضع ساق فوق أخرى؛ فالمقامات الرسمية تفرض على الحاضرين قدراً من الانتباه إلى لغة الجسد، وطريقة الإنصات، وهيئة الجلوس، ومدى انسجام السلوك مع طبيعة المناسبة.

فما قد يكون أمراً عادياً في مجلس خاص، قد يُقرأ بصورة مختلفة في لقاء رسمي تحكمه أعراف راسخة ورمزية مؤسسية خاصة.

وليس كل سلوك غير مألوف خرقاً بروتوكولياً بالضرورة، كما أن اختلاف الأعراف لا يبرر إهانة الضيف أو المساس بكرامته. فالمراسم الرفيعة تقوم على الانضباط والاحترام المتبادل، لا على الاستعراض أو العنف.

* الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أصحاب المناصب العليا:

حين يجلس مسؤول رفيع في حضرة رأس الدولة، فإن صورته لا تعود مجرد صورة شخصيّة؛ بل تصبح جزءاً من المشهد المؤسسي الذي يتابعه الرأي العام.

ومن ثم، فإن تقدير المقام، والتحلي بالوقار، ومراعاة أعراف البروتوكول، أمور تستحق الاهتمام، حتى في أدق تفاصيل السلوك الظاهر.

فالمناصب العليا لا تمنح أصحابها امتيازات فحسب، بل تضع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة في التمثيل واحترام المؤسسات. والذكاء السياسي لا يتجلى في الكلمات والخطابات وحدها، وإنما يظهر أيضاً في القدرة على قراءة السياق، وفهم الرموز، واختيار السلوك الملائم لكل مقام.

فهل يدرك بعض من يجلسون في الصفوف الأولى أن لغة الجسد قد تقول، في لحظة عابرة، ما لا تستطيع الخطب الطويلة تصحيحه؟

إن احترام المقامات ليس خوفاً من الأشخاص، بل وعيٌ برمزية المؤسسات. والوقار ليس انحناءً بلا قناعة، بل قدرة على التمييز بين ما يلائم المجلس الخاص وما تقتضيه المراسم الرسمية.

ففي حضرة الملوك، كما في حضرة رموز الدول ومؤسساتها، ليست العبرة بكيفية الجلوس وحدها، بل بما يعكسه السلوك من تقدير للمقام، وإدراك للمسؤولية، واحترام للأعراف.

المقامات الرفيعة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُحترم؛ يكفي أن يعرف كل من يجلس فيها أن للهيبة لغة وللبروتوكول أصولاً وللمسؤولية مقتضيات.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا